محلي
|
الأربعاء 20 نيسان 2022

كتبت “الراي الكويتية”:

اخترقت التسريباتُ جدارَ الكتمان الشديد الذي أقامه نائب رئيس الحكومة اللبنانية سعادة الشامي بالتعاون مع الفريق الاقتصادي لرئيس الوزراء نجيب ميقاتي، مَنْعاً للتداول المفتوح بخطة التعافي التي سترفعها الحكومة إلى إدارة صندوق النقد الدولي بعد استكمال حزمة من الاجراءات التنفيذية ومشاريع القوانين ذات الصلة بإعادة هيكلة القطاع المالي، بالتعاون مع مجلس النواب الذي يشارف على انتهاء ولايته القانونية في 21 مايو المقبل.

ويُرجَّح، بحسب مسؤولين وخبراء تواصلت معهم «الراي»، أن تطغى بنود الخطة على صدارة الاهتمامات الجدلية ومواقف الأطراف المعنية في الايام القليلة المقبلة، نظراً إلى ما تتضمّنه من إقرار رسمي بحجم الفجوة المالية التي تتجاوز 72 مليار دولار، وما تقترحه من معالجات ومقاربات يرتقب ان تلقى معارضة شديدة من قبل مَن ستلقى على كواهلهم الأجزاء الأكبر من الأعباء، ولا سيما بينهم الجهاز المصرفي والمودعين في مؤسساته.

وتتطلع حكومة ميقاتي إلى «ضربة حظ» تمكّنها من تسريع الخطوات الآيلة الى طرح الملف اللبناني على طاولة المجلس التنفيذي لصندوق النقد، ومن ثم الإبرام الرسمي لاتفاقية برنامج التمويل بقيمة 3 مليارات دولار خلال 46 شهراً، والتي تم استخلاص خطوطها العريضة عبر مشاورات مكثفة أجرتْها بعثة الصندوق في بيروت قبل نحو أسبوعين، وانتهت إلى اتفاقٍ أوّلي معزَّز بتعهداتٍ رئاسية (رؤساء الجمهورية ومجلس النواب ومجلس الوزراء ) بالدعم والتسهيل والمساهمة بتأمين الاستجابة للائحة المطالب – الشروط ذات الأبعاد الاصلاحية.

لكن واقع الحال السياسي وضيق الوقت المتخَم بالأعياد والعطل الرسمية، يحملان إشاراتٍ مُعاكسةً لإمكان بلوغ سباق إكمال نصاب الاتفاق النهائي مع صندوق النقد خطَّ النهاية قبل موعد الانتخابات النيابية منتصف الشهر المقبل. وهو استحقاق دستوري مفصلي يخُاض على وهج حماوة مرتفعة بين معسكريْ «حزب الله» وحلفائه من جهة ومعارضي الحزب والمعترضين على «السلاح» من جهة أخرى. إضافة إلى الخط الثالث الذي تمثله لوائح المجتمع المدني المنقسمة في ما بينها في غالبية الدوائر الانتخابية.

وتحمل الخطة، بحسب المسودة شبه النهائية التي حصلت «الراي» على نسخة منها، مسمى «مذكرة في شأن السياسات الاقتصادية والمالية». وهي تمهّد للبنود المدرجة بتأكيد أن الهدف الأساسي للاصلاح يتمثل في تعزيز النمو الاقتصادي وإيجاد الوظائف وخفض معدلات الفقر وتحسين مستوى المعيشة وتوفير الخدمات الأساسية للسكان في قطاعات الصحة والتعليم والطاقة، وذلك من خلال تعزيز الانتاجية في القطاعات كافة.

واذ يقتصر المضمون الانشائي المعهود على فقرات قليلة، يَجْري الانتقالُ سريعاً إلى ما خلف «الستار الحاجب»، ولا سيما في الجانب المالي وهو الأهم على الاطلاق. إذ تؤكد الخطة التزام الحكومة بإعادة الوضع السليم للقطاع المالي ومقومات ديمومته، لتصل إلى النقطة الجوهرية فتقرّ بأن التقديرات الحالية تشير إلى أن احتياجات إعادة رسملة النظام المصرفي تزيد عن 72 مليار دولار، ومبيّنةً أنه اذا لم توضع هذه الخسائر في الحسبان وإذا لم تُنفَّذ استراتيجية هادفة لمعاودة تقوية النظام، فلن يكون ممكناً استعادة الثقة بالقطاع.

وإذ تتضمن هذه المقاربة التباساً صريحاً بتسمية النظام المصرفي فيما المقصود موضوعياً القطاع المالي، فإن البند اللاحق يشير بوضوح إلى أولوية إعادة تكوين ميزانية مصرف لبنان المركزي لتصل إلى المستوى السليم، بعدما بيّنت التقديراتُ ضخامة الرأسمال السلبي المتراكم والذي يصل الى حدود 60 مليار دولار. فضلاً عن خسائر إضافية مرتقبة جراء إعادة هيكلة الدين الحكومي وتوحيد أسعار الصرف.

وبناء على نتيجة المراجعة الأولية التي تتولاها شركة دولية، والتي جرتْ مُشارَكَتُها مع وفد الصندوق، تقترح الخطةُ شَطْبَ ما يوازي المبلغ عينه أي 60 مليار دولار من التزامات البنك المركزي ازاء البنوك التجارية، ومن ثم المساهمة بإعادة الرسملة جزئياً عبر إصدار سندات سيادية بقيمة 2.5 ملياري دولار قابلة للزيادة لاحقاً، على أن يجري تذويب الرصيد الباقي للخسائر خلال فترة 5 سنوات.

ومع تحميل هذا العبء الضخم على الجهاز المصرفي والذي يُرجَّح أن يلقى معارضة شديدة من قبله، تقرّ الخطة بوجوب إعادة رسْملة البنوك التجارية القابلة للاستمرار وحلّ المتعثرة منها، بهدف إيجاد نظام مصرفي يتوافق مع اقتصاد قوي ويدعم تعافيه. كما تتطرق إلى خسائر مضافة الى التزامات البنك المركزي، وستَنْتُج عن إعادة هيكلة الديون السيادية (اليوروبوندز) وتَعَثُّر محافظ القروض ووقْع توحيد سعر الصرف على ميزانيات البنوك. وهو ما سيتطلب، وفق الخطة، إسهامات كبيرة من المساهمين ومساهمات ضخمة من كبار المودعين.

ولعل البند الأبرز الذي يترقبه المودعون من مقيمين وغير مقيمين يكمن في تحديد خط الحماية التامة. وهو ما تقترح الخطة أن يصل إلى 100 ألف دولار بالحد الأعلى، مع اشتراط أن لا تشمل هذه الحماية أي زيادة طرأت على حساب المودع بعد تاريخ 31 مارس من العام الجاري، بينما ستكون الشرائح التي تتعدى خط الحماية خاضعة لسقوف السيولة بحيث يمكن السداد بالدولار والليرة أو كليهما وفق سعر السوق.

ومن ضمن «إكمال الرسملة الداخلية الشاملة للبنوك»، اعتبرت أن ذلك يعني، فيما يتعلق بالودائع التي تتخطى خط الحماية التامة «إما تحويلها الى حصص ملكية او حذف جزء منها، كما تحويل جزء من ودائع العملات الاجنبية الى الليرة بأسعار صرف ليست تبعاً لسعر سوق القطع».

في هذه الأثناء، وريثما يتضح مسار مشروع قانون ضبط الرساميل والتحويلات (الكابيتال كونترول ) ونقْله «سالماً» أو معدَّلاً من دون المساس بجوهره، من محطة اللجان النيابية المشتركة الى نقطة الوصول لدى الهيئة العامة للبرلمان، سارعت الحكومة الى الانتهاء من مشروع قانون معجل يقضي بتعديلات مهمة ستطرأ على نظام السرية المصرفية الساري المفعول منذ العام 1956، وشرعت بصوغ مشروع ثالث لإعادة هيكلة الجهاز المصرفي لتصبح هذه المرفقات وسواها من متممات، بنوداً إجرائية معزِّزة لمندرجات خطة الإنقاذ الموعودة.


WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com