كتبت “الجمهورية”:

لم يستفِق الداخل اللبناني بعد من «صدمة» الاتفاق السعودي الايراني على طَي صفحة الخلاف بينهما، حيث أن هذا الحدث الذي فاجأ مكونات الداخل جميعها، ونقل النقاش الداخلي إلى مكان آخر، وأغرقَ البلد بسَيل أسئلة لا أجوبة لها في الوقت الحاضر، سواء حول حصوله في هذا التوقيت بالذات، او حول كيفية إخراجه وإتمامه برعاية سعودية، او حول ما سيليه على مستوى الدولتين ربطاً بقرارهما إعادة إحياء العلاقة بينهما بعد سنوات طويلة من الانقطاع والصدام، كما على مستوى نقاط التوتر والاشتباك بينهما في أكثر من ساحة في المنطقة.

فمنذ إعلان كل من السعودية وايران اعادة العلاقات بينهما يوم الجمعة الماضي تحول لبنان الى مجموعة حلقات منهمكة في قراءة هذا الاتفاق وابعاده، وعَبقت الصالونات والمجالس السياسية وغير السياسيّة بسيناريوهات وتحليلات وقراءات مُجافية للواقع، تنمّ إمّا عن رفض ضمني لأي اتفاق خارجي يفرض وقائع رئاسية جديدة، وإمّا عن عجز فاضح عن إصابة جوهر الاتفاق وما هو معلن منه وما هو غير معلن. تضاف اليها قراءات متسرّعة وَسّعت الاتفاق السعودي الايراني إلى حد إدخال لبنان طرفاً ثالثاً فيه، ومن الباب الرئاسي.

السِمة الجامعة لتلك السيناريوهات والتحليلات والقراءات، أنها في مجملها جاءت من خلف متاريس الاصطفاف السياسي، وتضارَبت في التقييم والتقدير، ودارت جميعها في حلقة تمنّيات لا أكثر، لهذا الطّرف أو ذاك، كلّ بما يتناغم او يتماشى مع موقعه وخياراته وخطه السياسي ببُعديه الداخلي والخارجي. ومن خلفها كانت مواقع التواصل الاجتماعي تمطر بعضها البعض بالشماتة والاستفزازات.

فخصوم ايران قرأوا في الاتفاق تحجيماً لدورها وحَدّاً من نفوذها وتدخّلاتها في الملف اللبناني، وأنّ «الحزب» سيكون الضحية الطبيعية الوحيدة لهذا الاتفاق، والمسألة مسألة وقت ليس بطويل. وهو الامر الذي سيوقِف حتماً مسار التعطيل، ويعجّل في انجاز الانتخابات الرئاسية.

امّا في المقابل، فتتبدّى قراءة معاكسة ترى في الإتفاق تراجعاً سعودياً، وإلزاماً للمملكة بعدم التدخل في الملف الرئاسي، وكَسراً لأيّ «فيتو» على أيّ مرشح لرئاسة الجمهورية، ونكسة لأصدقائها في لبنان، وعلى وجه الخصوص «القوات اللبنانية» مع حلفائها من سياديين ومستقلين، الذين سينقادون جميعهم طوعاً أو كرهاً الى مماشاة متطلبات هذا الاتفاق.

وفي موازاتهما قراءة ثالثة تعتبر انّ الإتفاق السعودي الايراني، وكما يكسر منطق «الحزب» و»القوات» وحلفائهما المباشرين وغير المباشرين، يكسر ايضاً منطق التيار الوطني الحر، ويجعله مغرّداً وحيداً في سربه، ويُفقده ما يعتبرها قدرته على التأثير ترشيحاً وتعطيلاً وانتخاباً. وهذا الوضع سيلزم الجميع حتماً بالذهاب الى خيارات ترشيحية جديدة في مدى غير بعيد.

هذه القراءات المتناقضة، التي ينعى بعضها حظوظ بعض المرشحين، ويعلي حظوظ آخرين، تصفها مصادر مسؤولة بـ»العشوائية» التي يخاف أصحاب من أن يكونوا أولى ضحايا اي جهد يؤدي الى توافق على رئيس للجمهورية وتسريع انتخابه.

وقالت المصادر لـ»الجمهورية»: انّ المسؤولية والموضوعية تقتضيان مقاربة الاتفاق بين السعودية وايران كحدث كبير واستثنائي، جوهره حاجة البلدين اليه، نتمنّى أن يكون فاتحة لحقبة جديدة وتحولات اقليمية جذرية، وان تتبدّى ارتداداته بصورة ايجابية على أكثر من ساحة في المنطقة ومن ضمنها لبنان، وتأكيدها على أنه من المبكر المبالغة في التقدير وبناء فرضيات لا تكون واقعية، ولنترك للوقت أن يحدد حجم وشكل تلك الارتدادات، وما اذا كانت ستلفحنا الايجابيات ام لا.

واكدت المصادر «انّ التقارب السعودي الايراني من شأنه أن يؤسّس لحقبة جديدة ويخلق مناخات ايجابية أبعد من الدولتين ويزيد من عوامل الاستقرار على مستوى المنطقة، وفيما خَص الملف الرئاسي في لبنان، فإيران تقول انها لا تتدخل في الشأن الرئاسي اللبناني، والسعودية تقول ذلك ايضاً وتؤكد على تقارب لبناني، وان يراعي اللبنانيون المصلحة الوطنية وانتخاب رئيس بناء عليها. وكلام وزير الخارجية السعودي انطوى على دعوة مباشرة للبنانيين للجلوس على طاولة التوافق والتقارب. ولا يفوت عن بال أحد انّ الجانبين السعودي والايراني التزما في متن الاتفاق بينهما بعدم التدخل في شؤون الدول. فكل ذلك لا يعني أن نسترخي في لبنان وندور في الحلقة المفرغة في انتظار ايجابيات قد تحصل وقد لا تحصل، وفي النهاية ندفع ثمن التأخير والتعطيل. وتبعاً لذلك، فإنّ التقارب السعودي الايراني ينبغي أن يقارب كحافز اضافي لكل المكونات اللبنانية في سلوك خط التوافق السريع نحو الانتخابات الرئاسية».

ورداً على سؤال عما اذا كان فك العقدة الرئاسية بيد السعودية وايران؟ قالت المصادر: مما لا شك فيه انّ موقع ودور السعودية وإيران مهم، ولكلّ منهما صداقات وحلفاء في لبنان، ولكن من الخطأ افتراض انهما وحدهما المقرّران لمصير الانتخابات الرئاسية في لبنان، فهذا الأمر حصراً بيد اللبنانيين الذين يملكون وحدهم مفتاح الحل الرئاسي. وإنّ الآخرين، من السعوديين الى الايرانيين الى الفرنسيين الى الاميركيين، يشكّلون عاملاً مساعداً، وهذا ما تأكد في سلسلة اللقاءات والاتصالات التي جرت على اكثر من صعيد خارجي، وآخرها الاجتماع الخماسي في باريس.


WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com