شدد البابا فرنسيس على أهمية الحوار والتعاون ومواجهة المشاكل، في رسالة وجهها إلى المشاركين في مؤتمر روما للحوارات بين دول البحر المتوسط، والتي يشارك فيه وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال عبد الله بو حبيب، وتوقف فيها عند مواضيع هامة مثل الهجرة والحرب في أوكرانيا وغيرها.

لمناسبة انعقاد الدورة الثامنة لمؤتمر روما للحوارات بين دول البحر المتوسط، وجه البابا رسالة إلى المشاركين في هذا اللقاء الذي هو منذ سنوات، وحسب ما ذكر الأب الأقدس، موعد تنظمه وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الدولي الإيطالية والمعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية من أجل سياسات متقاسمة في منطقة المتوسط.

وتوقف الحبر الأعظم  أولا عند منهج هذا المؤتمر، مشيرا إلى أنه هام في حد ذاته لأنه يعكس الالتزام بالحوار والتأمل المشترك بحثا عن حلول أو مقاربات منسقة من أجل المصالح المشتركة للشعوب المطلة بتنوع ثقافاتها على البحر المتوسط الذي له تاريخيا دعوة تقدم وتنمية وثقافة يبدو أنه قد فقدها في الماضي القريب وعليه استعادتها بالكامل وعن قناعة.

وتابع الأب الأقدس متحدثا عن “قدرة البحر المتوسط على الربط بين ثلاث قارات، رباط كان مثمرا بشكل كبير تاريخيا وذلك أيضا من خلال الهجرة. فبهذا البحر تتجاور أفريقيا وآسيا وأوروبا، لكننا غالبا ما ننسى مع الأسف أن الخطوط التي تترسم حدودا هي أيضا تلك التي تربط، وأشار قداسته إلى أن كلمة حدود باللاتينية يمكنها أن تشير أيضا إلى هدف مشترك. وهذا جانب كانت على وعي به الحضارات التي سبقتنا والتي كان البحر المتوسط مهدها، ولكن علينا وبأسف القول إن هذا البحر ذاته يجد صعوبة اليوم في أن يعاش كمكان لقاء وتبادل، تقاسم وتعاون. ومن تقاطع طرق الإنسانية هذا نفسه تنتظرنا في الوقت عينه فرص كثيرة، وعلينا بالتالي استعادة ثقافة اللقاء التي استفدنا منها كثيرا لا في الماضي فقط، وهكذا يمكن إعادة بناء حس أخوي عبر تطوير، وإلى جانب علاقات اقتصادية أكثر عدالة، أيضا علاقات أكثر إنسانية بما في ذلك مع المهاجرين”.

وتحدث عن فضل هذا المؤتمر في “إعادة إطلاق مركزية البحر المتوسط من خلال مناقشة برنامج غني جدا بالمواضيع، من تلك الجيوسياسية والمتعلقة بالأمن إلى قضايا حماية الحريات الأساسية للأشخاص وتحديات الهجرة والأزمة المناخية والبيئية. وتابع قداسته قائلا للمشاركين في المؤتمر إن أهمية وتنوع المواضيع المطروحة للتأمل تحفز فكرة أساسية، فهذا التنوع يشير في حد ذاته إلى أن المواضيع الأخلاقية الاجتماعية لا يمكن فصلها عن الأوضاع المتعددة لأزمة جيوسياسية ولا عن القضايا البيئية. ومن هذا المنطلق فإن فكرة مواجهة القضايا المنفردة بشكل منفصل مع تجاهل القضايا الأخرى هو أسلوب مضلل لأنه يحمل خطر الوصول إلى حلول جزئية ومختلة لا تحل المشاكل بل تجعلها مزمنة”.

وواصل في رسالته أنه يفكر بشكل خاص في العجز عن إيجاد حلول مشتركة لتنقل الأشخاص في المنطقة، والذي يواصل التسبب في فقدان غير مقبول للحياة البشرية يمكن دائما تقريبا تفاديه وخاصة في البحر المتوسط. وأضاف قداسته أن “الهجرة أمر أساسي بالنسبة لخير هذه المنطقة ولا يمكن إيقافها، كما وأن من مصلحة الجميع العثور على حل يشمل الجوانب المختلفة والقضايا العادلة، حل يجب أن يكون في صالح الجميع وأن يضمن كلا من الكرامة البشرية والرخاء المتقاسم”. وواصل قداسته مشيرا إلى أن “تداخل المواضيع يتطلب دراستها بشكل جماعي من خلال رؤية منسقة بأوسع شكل ممكن، وهو ما برز بشكل قوي خلال الأزمة الناتجة عن الجائحة التي كانت تأكيدا إضافيا أنه لا يمكن لأحد أن ينجو بمفرده”.

وأشار إلى أن “مثل هذه العولمة للمشاكل تتكرر اليوم في النزاع المسلح المأساوي داخل أوروبا بين روسيا وأوكرانيا، والذي يسفر، وإلى جانب الأضرار التي لا يمكن تقديرها لأي حرب فيما يتعلق بالضحايا ما بين مدنيين وعسكريين، عن أزمة طاقة وأزمة مالية وأزمة إنسانية للكثير من الأبرياء الذين يضطرون إلى ترك بيوتهم وفقدان أملاكهم، وأيضا أزمة غذائية تصيب أعدادا متزايدة من الأشخاص في العالم بكامله، وخاصة في الدول الأكثر فقرا”. وأشار هنا إلى ما وصفها “بالتبعات الضخمة للنزاع في أوكرانيا على دول شمال أفريقيا التي تعتمد بنسبة ٨٠٪ على القمح من أوكرانيا وروسيا”. وقال: “هذه الأزمة تحثنا على أن نأخذ في الاعتبار الوضع الحقيقي في مجمله من وجهة نظر عالمية مثلما هي عالمية تبعات هذه الأزمة”.

وقال: “كما لا يمكن التفكير في مواجهة أزمة الطاقة بعيدا عن الأزمة السياسية، فلا يمكن حل الأزمة الغذائية متجاهلين تواصل النزاعات، أو الأزمة المناخية بدون أخذ بعين الاعتبار قضية الهجرة أو دعم الاقتصادات الأكثر ضعفا أو حماية الحريات الأساسية. لا يمكن أحذ بعين الاعتبار تعدد اشكال المعاناة البشرية بدون التفكير في الأزمة الاجتماعية، حيث تقلص قيمة الشخص البشري وتداس الحقوق الإنسانية من أجل مكاسب اقتصادية أو سياسية”.

وشدد البابا على “ضرورة أن نكتسب جميعا وعيا أكبر بأن صرخة كوكبنا الذي يعامل بشكل سيء لا تنفصل عن صرخة البشرية المعانية”. وأشار في هذا السياق إلى “كلمات تعود إلى حوالي ألفي سنة مضت تبدو اليوم آنية  أكثر من أي وقت آخر، أي كلمات القديس بولس الرسول في رسالته إلى أهل روما، والتي تحدث من خلالها عن رجاء الخليقة أن تتحرر من عبودية الفساد لتشارك أبناء الله في حريتهم ومجدهم. فإننا نعلم أن الخليقة جمعاء تئن إلى اليوم من آلام المخاض”.

وختم البابا فرنسيس رسالته: “هذا الهدف هو أيضا أفق التزام الرجال والنساء ذوي الإرادة الطيبة. وقال للمشاركين: فليكن هذا أيضا أفق حواراتكم. ثم تمنى للجميع عملا مثمرا مؤكدا لهم صلاته ومستمطرا عليهم البركة الإلهية”.


WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com