محلي
|
الأربعاء 08 حزيران 2022

كتب محمد وهبة في الأخبار:

من استولى على مدينة كاملة بكل خدماتها ومنافعها وعقاراتها، لن يتورّع عن ممارسة الغشّ في البيانات المالية بهدف تحفيز الزبائن على الاستثمار في أسهم لا تتطابق قيمتها الفعلية مع قيمتها السوقية. فالبيانات المالية التي أصدرتها شركة «سوليدير» عن الأشهر الستة الأولى من 2021 لا تطابق معايير المحاسبة الدولية ولا سيما المعايير المخصّصة للتعامل مع اقتصادات تعاني من تضخّم مفرط مثل اقتصاد لبنان، بل تظهر وضعاً مالياً مغايراً للواقع خلص تقرير مدقق الحسابات «ديلويت – أرنست أند يونغ» إلى تقديم رأي سلبي في البيانات المالية لشركة «سوليدير» عن الفترة المنتهية في حزيران 2021، مشيراً إلى أنه بسبب الملاحظات المهمّة، فإن البيانات المالية لم يتم إعدادها من جميع النواحي الجوهرية بشكل يتناسب مع معايير المحاسبة الدولية، ولا سيما المعيار «IAS 29» الذي يحدّد خطوات إعداد البيانات في الاقتصادات المصابة بالتضخّم المفرط مثل لبنان.

وأشار التقرير إلى هذه الملاحظات المهمّة التي دفعته إلى تقديم هذا الرأي السلبي، وهي:

  • بما أن العملة الوظيفيّة التي تستخدمها الشركة (الليرة اللبنانية) تعاني من «تضخّم مفرط» كان على الشركة أن تحضّر بياناتها الماليّة على أساس معايير IAS 29 وهو معيار «إعداد التقارير الماليّة في الاقتصادات ذات التضخّم المرتفع». لو استخدمت الشركة معايير IAS 29 لاختلفت النتائج في البيانات الماليّة بشكل كبير.
  • استخدمت الشركة سعر الصرف الرسمي (1500 ليرة لكل دولار) للتحويل بين عملة البيانات المالية المقوّمة بالدولار، وبين العملة الوظيفية بالليرة، لكن في وقت حصول العمليات كانت الدولة قد استحدثت عدداً من أسعار الصرف لم تأخذها التقارير الماليّة للشركة في الاعتبار.
  • ذكر تقرير الأرباح والخسائر أن الشركة خسرت بسبب أسعار الصرف نحو 20 مليون دولار بسبب «الاستحواذ على سيولة خارجيّة» بقيمة 7.7 مليون دولار. لم تستطع الشركة المدقّقة أن تجد أدلّة كافية على حقيقة هذا الأمر، ولم تستطع أن تحدّد إذا كان من الضروري إجراء أي تعديلات على هذا السجلّ.
  • يذكر حساب «النقد والحسابات المصرفيّة» أنه لدى الشركة 94 مليون دولار في المصارف، وأن هناك 15 مليون خسائر متوقّعة في هذه الحسابات (في كانون الأول 2020 كانت الخسائر المتوقّعة في هذا الحساب 13 مليون دولار)، أي أن الشركة لم تعدّل الخسائر بشكل مناسب مع الأوضاع المصرفيّة التي حدثت في تلك الفترة.
  • تشمل البيانات المالية حساب الاستثمارات في الشركات الزميلة والمشاريع المشتركة. هذا الحساب يشمل استثمار في «Beirut Waterfront Development» وهو مشروع مشترك يتم المحاسبة عنه بطريقة حقوق الملكية، بالإضافة إلى قرض لهذا المشروع بقيمة 8.2 مليون دولار. لم تجد الشركة المدقّقة ما يكفي من الأدلّة لمعرفة القيمة الحقيقيّة لهذا الاستثمار في شركة «Beirut Waterfront Development»، بالتالي لم تستطع أن تحدد التعديلات اللازمة لهذا الحساب.

الأدلة التي يعرضها التقرير، وإن كان مدققو الحسابات مجبرين على التعامل معها وفق مستويات التصنيف المعتمدة (رأي إيجابي، متحفّظ، سلبي…)، إلا أنها تشير صراحة إلى ما هو أبعد من الرأي السلبي، وتكشف بوضوح عن وجود غشّ وتلاعب في بيانات سوليدير المالية. وهذا التلاعب لا يتعلق بوجود أزمة نقدية – مصرفية – اقتصادية تمنع الشركة من تقديم حسابات شفافة أو معقولة، بل بوجود رغبات في إخفاء الحقائق عن أصحاب الحقوق من حاملي الأسهم والمستثمرين الراغبين في شراء أسهم الشركة، أو المندفعين لشراء هذه الأسهم باعتبار أن لها قيمة سوقية وقوّة شرائية أعلى من أدوات الاستثمار الأخرى، مثل أسهم المصارف أو سندات اليوروبوندز… الواقع هو أن الشركة لديها قدرة على إخفاء هذه الحقائق وتحويرها بهدف استقطاب المودعين الهاربين من جحيم المصارف ليقعوا في جحيم «سوليدير» والاستثمار بأسهمها.

فما الذي يميّز سند اليوروبوندز عن سهم سوليدير طالما أن الاثنين يجري التعامل معهما بسعر وهمي وسعر فعلي يقتطع منه أكثر 85% من قيمته الاسمية. فعلى سبيل المثال، يتم تسعير سعر سوليدير بنحو 40 دولاراً محلّياً، أي ما يعادل 5 دولارات نقداً، وسند اليوروبوندز مسعّر بقيمة 100 دولار لكن قيمته السوقية لا تزيد على 13 دولاراً. الخسارة واحدة ومماثلة لخسارة الوديعة في المصرف.
أصلاً، سهم سوليدير لم يحقق الكثير من العوائد منذ إنشاء الشركة وتمكينها بقوّة القانون من الاستيلاء على وسط مدينة بيروت واحتكار أرضها وهوائها والخدمات عليها وتطويرها وبيعها… فخلال السنوات الـ25 الأولى لم يبلغ نصيب السهم أكثر من 8 دولارات. وارتفاع سعر سهم «سوليدير» إلى أكثر من 40 دولاراً ليس سوى «أكذوبة» مارستها الشركة من خلال شراء كمية من هذه الأسهم بقيمة 32 مليون دولار، كما هو ظاهر في التقرير المالي. فهي جمعت أسهم الشركة من البورصة بهدف رفع سعرها وإظهار قيمتها الدفترية. لكن هل هذا السعر هو حقيقي فيما هو مسعّر بالدولار المحلّي؟

بحسب ما هو واضح في تقرير «ديلويت – أرنست أند يونغ»، فإنه لا يمكن الوثوق بهذا السعر، كما أنه لا يمكن الوثوق بأن قيمة تخمين الأصول تبلغ 1.98 مليار دولار. فمن هي الجهة المحادية التي أجرت تقييماً لأصول «سوليدير»، وهل هي مخمّنة بالدولارات الطازجة «الفريش» أم «المحلية»؟ ولا يقتصر الأمر على ذلك، إذ إن أسعار العقارات تهاوت خلال السنوات الثلاث الماضية من دون أن يترك ذلك أثراً واسعاً على تخمينات أصول «سوليدير»، وهو أمر مستغرب جداً ومثير للريبة لأي شخص لديه إلمام بدائي بالبيانات المالية.
ولم يكن هذا هو الأمر الوحيد الذي فعلته «سوليدير» لتصبح نتيجتها المالية خسارة بقيمة 22.2 مليون دولار في الأشهر الستة الأولى من عام 2021، إذ إنها كوّنت مؤونات على خسائر متوقعة بقيمة 93.2 مليون دولار وجرى تمويل هذه المؤونات من مبيعات الأراضي في الفترة نفسها، ومن الدفعات التي حصلت عليها الشركة من مبيعات سابقة. لكن بأي عملة باعت «سوليدير» هذه الأراضي؟ بعملة الدولار المحلّي (الدولارات المحجوزة في المصارف) أو بعملة الدولار الطازج؟ وما يعزّز الشكوك بوجود التلاعب، أن مدقق الحسابات يقرّ بأن الشركة صرّحت عن خسائر فروقات القطع، أي خسائر ناتجة من عمليات تبديل العملة، بقيمة 20.6 مليون دولار في أول ستة أشهر من عام 2021، بينما لم تكن هذه الخسائر تزيد على 1.5 مليون دولار في الفترة نفسها من عام 2020. ويضاف إلى ذلك، أن الشركة شطبت من مبيعات سابقة، وبموجب تسوية، مبلغ 30.3 مليون دولار عائد لزبونين فقط.

22.2 مليون دولار هي قيمة خسائر سوليدير لغاية حزيران 2021

لكن السؤال المحوري هو الآتي: بأي عملة تكوّنت المؤونات؟ ثمة الكثير من الأسئلة التي احتار مدقّق الحسابات في التعبير عنها في تقريره، أو أنه لم يجدّ لها جواباً بشكل نهائي، أو أخفى الجواب الفعلي لأنه يخالف المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية والمحاسبية، بالتالي اكتفى برفع مسؤوليته عنها والقول إن هناك خطأ ما حصل. فالشركة تزعم بأن امتناعها عن تطبيق المعيار «IAS 29» مبرّر لأن تطبيقه مرتبط بصدور مؤشّر للأسعار (تصدره إدارة الإحصاء المركزي)، ولأن هذا المؤشّر بالتحديد «غير دقيق» ولا يتيح للشركة تطبيق المعيار بشكل مناسب، لذا قرّرت إبقاء تطبيق سعر الصرف «الرسمي». بمعنى أوضح، قرّرت الشركة أن هامش الخطأ في مؤشّر الأسعار الصادر عن الإحصاء المركزي والذي سجّل تضخماً بمعدل سنوي هائل، هو أكبر بكثير من هامش الخطأ من تسعير الدولار بـ1507.5 ليرة! هذه المقاربة تدلّ على أن عبقرية «سوليدير» في التلاعب، لا يمكن قياسها في أي مؤشّر معروف، لكن سكوت مدقق الحسابات عن هذا الاستنتاج ليس فيه من العبقرية بشيء.


WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com