محلي
|
الثلاثاء 22 تشرين الثاني 2022

المصدر: جريدة الأخبار

يبدأ تأليف الحكومة بتسمية رئيسها، عن طريق الاستشارات النيابيّة الملزِمة لرئيس الجمهوريّة، فيكلّف الأخير الشخص الذي تسميه غالبيّة النوّاب ويوقّع منفرداً مرسوم تكليفه. بعدها، يتولّى الرئيس المكلّف تسمية الوزراء بالاتّفاق مع رئيس الجمهوريّة، ويوقّع معه مراسيم تشكيل الحكومة، وتنتهي ولاية الحكومة وتصبح في حكم المستقيلة عند إجراء الانتخابات النيابيّة أو انتخاب رئيس جديد للجمهوريّة. يقدّم رئيس الحكومة كتاب استقالة حكومته، ويقبلها رئيس الجمهوريّة شفهياً، ويكلّف الحكومة بـ«تصريف الأعمال». ولدى تشكيل حكومة جديدة يصدر رئيس الجمهوريّة مرسوم قبول الاستقالة ومرسوم تسمية الحكومة الجديدة.

فما هو الدور الحقيقيّ لرئيس الجمهوريّة في هذا الشأن؟ وكيف تمارس الحكومة عملها؟

دور رئيس الجمهوريّة

في فرنسا، لا تُعدّ استقالة الحكومة ناجزة – مبدئياً – إلاّ بعد قبولها من رئيس الجمهوريّة، ويقول الدستوريّون الفرنسيّون: «تصرّف الحكومة المستقيلة الأعمال بعد سحب الثقة منها ما دامت استقالتها لم تُقبل من جانب رئيس الجمهورية».

كما قضى مجلس الشورى اللبناني، بالقرار 246/2017، بأنّ الوزير المستقيل يبقى «متمتّعاً بثقة المجلس النيابيّ… وبالتالي تظلّ الأعمال الإداريّة الصادرة عنه صادرة عن صاحب صلاحيّة، الى حين صدور مرسوم قبول استقالته»، ما يعني أنّ هذا النوع من الاستقالة هو استقالة معلّقة على شرط القبول. ويرى بعضهم أنه بقياس مسألة استقالة الحكومة على هذا الرأي، يمكن القول: إن استقالة الحكومة لا تصبح ناجزة إلا بمرسوم قبولها. وبالتالي يمكن لرئيس الجمهوريّة رفضها. وفي فرنسا حدث أن رفض رئيس الجمهوريّة استقالة الحكومة أكثر من مرّة. فهل استقالة الحكومة تكون معلّقة على شرط القبول، وبالتالي تبطل إذا لم يقبلها رئيس الجمهوريّة؟

رفض الرئيس الفرنسيّ قبول الاستقالة لم يكن حاسماً، فقد هدّد رئيس الوزراء الفرنسيّ سنة 1962 بتقديم الاستقالة إلى مجلس النوّاب لأنّ الرئيس ديغول لم يقبلها. لكنّ القياس على فرنسا هو قياس مع الفارق، فرئيس الجمهوريّة، بحسب المادة 8 من الدستور الفرنسي، هو الذي ينهي ولاية الحكومة بعد تقديم الوزير الأوّل استقالتها إليه. أمّا في لبنان فيعتبر الدستور الحكومة في حكم المستقيلة في الحالات التي حدّدتها المادّة 69 ومنها، كما في حالة الحكومة الحاضرة، عند انتخاب مجلس النوّاب.

هكذا، في فرنسا ينهي الرئيس ولاية الحكومة قانوناً، أمّا في لبنان فالدستور هو الذي ينهيها. وبذا يكون الرئيس الفرنسيّ متمتّعاً بسلطة استنسابيّة غير متاحة للرئيس اللبنانيّ.
لكن ما يحصل عندنا هو أنّ رئيس الجمهوريّة يعلن قبول الاستقالة شفهياً عند تقديمها ثمّ يصدر مرسوم القبول مع إصدار مرسوم تأليف الحكومة الجديدة. فما مفعول القبول الأوّل؟ وما مفعول مرسوم القبول؟

يقول العلامة إدمون ربّاط: «لا يكفي قانوناً صدور بلاغ عن الحكومة أو عن رئيس الجمهوريّة بالإعلان عن استقالة الوزارة، بل يقتضي أن يصدر مرسوم بقبول الاستقالة»، لأنّ مبدأ موازاة الشكل يقضي بذلك، فتعيين الوزارة جرى بمرسوم، وذهابها يجب أن يتمّ بمرسوم. لكنّ رأي الدكتور ربّاط هذا يتّفق مع الدستور الذي عايشه، دستور ما قبل الطائف، الذي كان يقول: «رئيس الجمهوريّة يعيّن الوزراء ويسمّي منهم رئيساً ويقيلهم»(المادة 53). ونحن نقول: إنّ المرسوم اليوم هو إعلاني (يعلن قبول استقالة الحكومة ويحدّد تاريخ الاستقالة)، لا إنشائي (بمعنى أنّه لا ينشئ هذه الاستقالة).

تصريف الأعمال

عند استقالة الحكومة، وكي لا يتوقّف سير كلّ المرافق المرتبطة بها، فإنّها عادة تُكلَّف بـ«تصريف الأعمال». لكن هل هي بحاجة الى التكليف بذلك؟
إنّ التكليف يحلّ مشكلة، إذ يؤسّس لشرعيّة استمرار الحكومة في المهمّات التي لا يمكن إيقافها. لكن إذا لم تكلّف بتصريف الأعمال، هل تنسحب وتعطّل البلد؟
يتناقض هذا مع مبدأ قانونيّ وسياسيّ وحتّى أخلاقيّ يقضي بضرورة استمرار المرفق العامّ. وقد تحوّل هذا المبدأ في لبنان إلى نصّ دستوري يقضي بأن تستمرّ الحكومة المستقيلة في تصريف الأعمال حتى تعيين حكومة جديدة، إذ جاء في المادّة 64/2: «… لا تمارس الحكومة صلاحيّاتها… بعد استقالتها أو اعتبارها مستقيلة إلا بالمعنى الضيق لتصريف الأعمال»، أي أنّها تمارس تصريف الأعمال.

لكن ما هي الأعمال التي يجب تصريفها؟
هذه مسألة في غاية الغموض، إذ لا نصوص تحكمها، لذلك تُركت للفقه والاجتهاد اللذين لم يحسماها. فسكريتير الدولة الفرنسيّة (1962) وصفها بأنّها «ليست الأمور الثانويّة أو التابعة، بل الأمور التي تفرضها العجلة». وحدّد فرانسوا دالبيريه فئاتها بأنّها:

1- الأمور اليوميّة الضروريّة التي لا يجوز أن تنقطع، فالوزير يمكنه دفع الفواتير لمقدّمي الموادّ، لكنّه لا يستطيع إطلاق مناقصة.

2- الأمور الجارية التي يكاد إنجازها يكتمل، أو هو على الأقلّ يكون متقدّماً.

3- الأمور العاجلة التي يجب بالضرورة أن تُعالج خشية الإضرار بالشعب والدولة وكذلك بالاقتصاد الوطنيّ وبالحياة الاجتماعيّة للبلاد عندما تواجه صعوبات خطيرة.

ويختصرها بعضهم بـ: الأمور الإداريّة الجارية، والمتابعة، والأمور العاجلة.

وما قدّمه مجلس الدولة الفرنسيّ هو رفض حسبان بعض التصرّفات من الأمور الجارية التي يحقّ لحكومة تصريف الأعمال أن تمارسها.

وقد تصدّى مجلس الشورى في لبنان لهذه المهمة، فأعلن أنّ صلاحيّة تصريف الأعمال تطاول الأعمال التي لا تطرح مسؤوليّة الحكومة أمام مجلس النوّاب، لأنّها لم تعد مسؤولة قانوناً، وهي «الأعمال العاديّة» التي «تنحصر مبدئياً في الأعمال الإداريّة، وهي الأعمال اليوميّة التي يعود إلى الهيئات الإداريّة اتخاذها، ويُعلّق إجراؤها في الغالب على موافقة هذه الهيئات، كتعيين ونقل الموظّفين وتصريف الأعمال الفرديّة التي لا يمارس عليها الوزراء سوى إشراف محدود»، بعكس «الأعمال التصرفيّة» التي «ترقى إلى إحداث أعباء جديدة أو التصرّف باعتمادات هامّة، أو إدخال تغيير جوهريّ على سير المصالح العامّة، وفي أوضاع البلاد السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، تحت طائلة المسؤوليّة الوزاريّة». فهذه لا يطاولها تصريف الأعمال.

في الممارسة العمليّة
لنأخذ نماذجَ من دولتين أوروبيّتين هما فرنسا وبلجيكا، ومن لبنان:
في فرنسا، وقّعت حكومة Queuille المستقيلة اتّفاقين مع الولايات المتحدة لاستخدام قواعد جويّة في المغرب الذي كان من مستعمرات فرنسا، ومستودع Chateauroux، من قبل الجيش الأميركيّ. وثبّتت حكومة Bourgès-Maunoury الأسعار الزراعيّة، ووقّعت ثلاث اتفاقيّات مع المغرب. واستدعت حكومة Gaillard الاحتياط وفوّضت صلاحيّات مدنيّة للسلطة العسكريّة في الجزائر (إبان أزمتين استمرّتا على التوالي 36 يوماً و30 يوماً).

وفي بلجيكا، التي تعاني من أزمات حكوميّة تمتدّ لأشهر طويلة، وقّع ولفرد مارتنز في 7 شباط 1992، أثناء تصريف الأعمال، معاهدة ماستريخت. وفي شباط 1979، أرسلت حكومة فاندن لوينانتس المظلّيّين إلى زائير الدنيا لحماية المواطنين البلجيك. وفي آب 2019، رشّحت حكومة ميشيل إبّان تصريفها الأعمال Didier REYNDERS للمفوضيّة الأوروبيّة، من دون عرضه على الجمعيّة الوطنيّة. وفي أيّار 2019، طرحت حكومة تصريف الأعمال تعديلاً دستورياً في لائحة حوت موادَّ أضافتها إلى موادّ طرح بعضها كلّ من الجمعيّة الوطنيّة ومجلس الشيوخ متجاوزة تصويت المجلسين. وفي آذار 2011، وقعت البلاد في أزمة الـ 541 يوماً، فهل تجمّدت الحياة الوطنيّة في ظلّها؟
أما في لبنان، فقد كانت حكومة رشيد كرامي المستقيلة تمارس كلّ أعمالها في السياسة الداخليّة والخارجيّة وفي إصدار المراسيم، وفي بعض الأحيان تعقد اجتماعات لمجلس الوزراء بغية اتّخاذ قرارات عاجلة، وفي جلسة بتاريخ 4/10/1969 اتّخذت الحكومة مرسوم إحالة مشروع الموازنة إلى مجلس النوّاب. وكان الرئيس سليم الحصّ يمارس إبّان تصريف الأعمال كامل الصلاحيّة الدستوريّة: إعداد مشاريع قوانين، تعيينات إداريّة، توقيع المراسيم (الجوّالة).

تولّي صلاحيّات رئيس الجمهوريّة

تنصّ المادّة 63 من الدستور على أنّه: «في حال خلوّ سدّة الرئاسة لأيّ علّة كانت، تناط صلاحيّات رئيس الجمهوريّة وكالةً بمجلس الوزراء».

تُطرح هنا مسألتان:

1- الفرق بين تعبيرَي «الحكومة» و«مجلس الوزراء». يُستعمل تعبير «مجلس الوزراء»، في العلم الدستوريّ الذي نأخذ به، للدلالة على اجتماع الوزراء برئاسة رئيس الجمهوريّة، ويُستعمل تعبير «المجلس الوزاريّ» للدلالة على اجتماع الوزراء برئاسة رئيس الحكومة في غياب رئيس الجمهوريّة. وإذا تمسّكنا بهذا التفسير، لا يمكن لحكومة تصريف الأعمال أن تجتمع بصفة مجلس، ومن باب أولى بصفة مجلس وزراء، أو أن تحلّ محلّ رئيس الجمهوريّة. غير أنّ استخدام المصطلحات خضع للتجاوز، فالدستور يستخدم تعبير «مجلس الوزراء» للدلالة على الحكومة، خاصّة في الموادّ 65 و70- 72، من هنا يكون تعبير مجلس الوزراء، في المادّة 63 دالاً على الحكومة.

2- في موضوع سلطات الحكومة المستقيلة في تولّي صلاحيّات رئيس الجمهوريّة، لا يمكن للحكومة، حتّى ولو كانت مكتملة الصلاحيّات، أن تقوم بكلّ مهمّات رئيس الجمهوريّة، فهي مثلاً لا تستطيع ردّ المراسيم، أو تقوم بالتوافق مع رئيس مجلس الوزراء، أو تسمّي رئيس حكومة… فماذا تستطيع حكومة تصريف الأعمال، وهي بالضرورة أقلّ صلاحيّات من الحكومة العاديّة، أن تتولاه من مهمّات رئيس الجمهوريّة؟

نرى، هنا، أنها لا تستطيع، في ممارستها الوكالة، أن تقوم إلا بما يوازي «تصريف الأعمال»، كإصدار القوانين التي صوّت عليها مجلس النوّاب أو ردّها، أو توقيع المراسيم التي كانت أُعدّت للإصدار…
لكن إذا قُبلت استقالتها بمرسوم كما حصل، فماذا يتغيّر؟

تستمرّ في تصريف الأعمال بحكم الدستور، وهنا ليس لتوصية المجلس النيابيّ بالاستمرار في تصريف الأعمال 8 سوى مفعول تشجيعيّ. أمّا بخصوص صلاحيّات رئيس الجمهوريّة، فهي من الواجب أن تقتصر على العمل الضروريّ والعاجل، من أجل استمراريّة المرافق العامّة، لكن بالحدّ الأدنى.


WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com