محلي
|
الإثنين 19 حزيران 2023

كتبت صحيفة “الجمهورية“: منذ بداية الانهيار في نهاية العام 2019، معظم التعاميم التي صدرت عن مصرف لبنان كان يمكن نَقضها وإبطالها، من خلال التقدّم بطعون، حيث ان مجلس شورى الدولة مُلزم بالنظر الى هذه التعاميم وفق مقياس القوانين المرعية الاجراء، وما يحق، وما لا يحق به لمصرف لبنان، وليس وفق مقياس ما هو مفيد أكثر للناس وللوضع المالي والاقتصادي. ولكن السؤال، لماذا صدرت هذه التعاميم، ومن المسؤول عن صدورها؟

لا يزال اللبنانيون يذكرون بلا شك ما جرى في 3 حزيران 2021، عندما اضطر رئيس الجمهورية ميشال عون الى الدعوة الى اجتماع في قصر بعبدا، واتخذ قراراً تراجع بموجبه يومها مجلس شورى الدولة عن تجميد العمل بالتعميم 151، والذي جرى الطعن فيه على اساس انه غير قانوني، ويعرّض المودعين لهيركات. وللتذكير، هذا التعميم سمح يومها بالبدء في السحب من الودائع الدولارية على سعر 3900 ليرة للدولار. طبعاً، لم يكن القرار الصادر عن القصر الجمهوري بمثابة تواطؤ لحماية قرارات المركزي، كما يحلو للبعض ان يدّعي، بل ان الحقيقة انّ المسؤولين، وفي مقدمهم رئيس الجمهورية، أدركوا خطورة تجميد مفاعيل هذا التعميم، والضرر المباشر الذي سيلحق بالناس وبالاقتصاد المتهالك، والذي يحتاج الى اي اجراء، ولو مؤقّت، للحصول على جرعات أوكسجين تسمح باستمراره، ولو في الحد الأدنى. وطبعاً، لم يكن عون يومها يبحث عن انتصار يهديه لرياض سلامة، بل العكس صحيح، لكن المصلحة العامة فرضت هذا القرار.

وما ينطبق على التعميم 151 المستمر حتى اليوم، ولكن بسعر صرف مختلف، (15 الف ليرة للدولار)، يسري على الكثير من التعاميم «غير القانونية» ولكن الضرورية لملء الفراغ الذي تركته الدولة، بشقيها التنفيذي والتشريعي، وتركت الناس لمصيرها، ولا تزال. وعلى سبيل المثال، التعميم 158 يمكن الطعن به، وكذلك التعميم 154. ولكن هناك 3 ملاحظات ينبغي أخذها في الاعتبار، بعد الانهيار:

اولاً – مندرجات معظم هذه التعاميم اختيارية، بمعنى انّ المودع يستطيع ان يختار عدم اللجوء اليها. وهذا الامر تبيّن بوضوح في التعميم 158، حيث انه من اصل حوالى 900 الف مودع كان يحق لهم الافادة من التعميم، لم يستخدمه سوى حوالى 190 الف مودع. طبعاً، سيُقال ان هؤلاء ربما اضطروا بسبب حاجتهم الى المال. هذا صحيح في جزء منه، ولكن هذه الحاجة بالذات هي التي تبرّر التعميم.

ثانياً – انّ التعاميم هي مجرد اجرءات مؤقتة، فرضها غياب تشريعات جديدة تنظم قانونية الوضع المالي، والعلاقة بين المودع والمصرف، في ظل الاوضاع الجديدة التي طرأت بعد الانهيار. أما من يريد التنكّر لوجود وضع مُستجد، فهو يجافي الحقيقة، ويساهم، عن شعبوية او عن جهل، في تعميق مأساة الناس، وتعقيد الأزمة اكثر مما هي معقدة.

ثالثاً – من يريد الطعن في اي تعميم او قرار، ينبغي ان يؤمّن البديل، خصوصا اذا كان في موقع المسؤولية، كأن يكون نائباً مثلاً، وهو يدرك ان من واجبه ان يؤمّن التشريع الضروري لتنظيم الوضع الذي يشكو منه. اذ قد يحق للمواطن ان يعترض، لكن على النائب ان يلغي اي قرار يعتبره غير قانوني بالتشريع الذي يقطع الطريق على الاجتهادات التي قد يقوم بها مصرف لبنان، سواء كانت صائبة ام خائبة.

أمّا الاكتفاء بالاختباء وراء القانون القائم، في ظل مستجدات تحتّم استحداث قوانين خاصة للوضع الاستثنائي المستمر منذ حوالى 4 سنوات، فهذا الامر ليس في مصلحة أحد. ولسنا الدولة الاولى التي تمر في أزمة مالية، لكننا قد نكون الدولة الوحيدة التي لا تزال تريد تطبيق القانون نفسه الذي كان سائداً قبل الأزمة!

ما يحتاجه الناس والبلد في هذه المرحلة هو الخروج من الانكار والشعبوية والتجاهل، والمضي قدماً، وبصرف النظر عن الأعذار السياسية لأن هذا الامر من الضرورات وليس من الكماليات التي يمكن تأجيلها، في إقرار تشريعات تنظّم الوضع المالي القائم، وتنظّم العلاقة بين المودع والمصرف. بالاضافة طبعاً الى ضرورة اقرار خطة الخروج من الأزمة، ووضع خريطة طريق يمكن سلوكها. اما التصويب على الاجراءات التنظيمية، والتي قامت في الاساس بسبب تَخاذل الدولة (الحكومة والمجلس)، فينطبق عليه القول: ما برحمك، ولا بخلّي حدن يرحمك، ولا بخلّي رحمة تحلّ عليك.

واذا كنا لا نريد ان نسمع من يقول ان هناك تحويلات لنافذين الى الخارج لا تزال تجري حتى اليوم، ما علينا سوى التشريع لجعل هذه التحويلات غير قانونية، ومحاسبة من يقوم بها، سواء المصرف او النافذ، لأنّ القوانين الواضحة والمتطابقة مع المصلحة العامة، وحدها تمنع هذه التجاوزات، او تسمح بمحاسبة من يرتكبها. ولنتذكّر المقولة الشهيرة للرئيس الأميركي بنيامين فرانكلين في العام 1787، امام من كانوا يتناقشون لوضع اسس الدستور الاميركي، اذ خاطب الحضور بالقول: نحن لسنا ملائكة، ومن سيأتي بعدنا هم من البشر ايضاً. وكان بذلك يشير الى ضرورة وضع قوانين واضحة، تأخذ في الاعتبار ان من سيتحكم بالسلطة سيرغب في تجاوزها، ويجب بالتالي ان تكون مبنية على اساس منع «البشر» من مخالفتها. وقد حان الوقت لوضع قوانين لأزمتنا، تمنع «البشر» عندنا من مخالفتها، وعدم الاكتفاء بسياسة الطعون، والطعون المضادة، والبلد متروك.


WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com