محلي
|
السبت 11 حزيران 2022

كتب علي حسن مراد في “الاخبار”:

في خضمّ حملات المزايدة الصادرة عن نواب في «قوى التغيير» وجمعيات وشخصيات تدّعي الاختصاص في مجال النفط والغاز، حول الخط 29 وتنقيب العدو الإسرائيلي في حقل «كاريش»، ينبغي استحضار خطاب هؤلاء منذ عام 2016 حول الثروة النفطية اللبنانية وكيفية استثمارها، والتذكير بالخلفيات والارتباطات وبالتالي المآرب

بعد إقرار مجلس النواب «قانون الموارد البترولية في المياه البحرية» الرقم 131، في 23/8/2010، بدأ الحديث عن إعداد مشاريع قوانين لتنظيم قطاع النفط والغاز. بالتوازي، ظهرت على الساحة اللبنانية جمعيات وشخصيات ادّعت الاختصاص في مجال الطاقة، وبالأخص قطاع النفط والغاز وتطوير السياسات المتعلّقة بهذا القطاع، وأبرزها جمعية «المبادرة اللبنانية للنفط والغاز» (LOGI)، بناءً على العلم والخبر في أواخر عام 2014. من المطالب الأساسية التي رفعتها هذه الجمعية، انضمام لبنان إلى «مبادرة الشفافيّة في الصناعات الاستخراجيّة» (EITI). وهذه من بنات أفكار رئيس وزراء بريطانيا الأسبق طوني بلير، طرحها خلال القمة العالمية للتنمية المستدامة في جوهانسبورغ عام 2002. اللافت في مبادرة الشفافية العالمية هذه أنّها تستهدف، في الغالب، دولاً في ما يُسمى «العالم الثالث»، يصادف أنّها إمّا تملك صناعة نفطية أو أنّ التقديرات تشير إلى وجود مخزونات نفط وغاز في إقليمها. ومن يقف خلف هذه المبادرة هو فريق الرأسمالية المعولَمة، أمثال جورج سوروس. وقد انضمّت إدارة أوباما – حليفة سوروس – عام 2014 إلى المبادرة، «انطلاقاً من التزام الحزب الديمقراطي بمبادئ الشفافية»، قبل أن ينسحب دونالد ترامب منها في تشرين الثاني عام 2017.

نشط موظفو تحالف من بضع جمعيات أخرى إعلامياً وفي مراكز النفوذ والسلطة محذّرين من «لعنة الموارد». وكان الخطاب والنشاط عموماً يتمحوران حول ضرورة إقرار مبدأَي الشفافية والحوكمة في نصوص مشاريع القوانين التي نظّمت قطاع النفط والغاز. وبين عامَي 2017 و2019 نشط هؤلاء في أروقة مجلس النواب محاولين إقناع الكتل النيابية بالأخذ بملاحظاتهم حول الشفافية والحوكمة. وتصدّر الظهور الإعلامي في هذا المضمار، بشكل أساسي، شخصيات مثل لوري هايتيان من «معهد حوكمة المصادر الطبيعية»، وديانا القيسي من LOGI وموظفون وموظفات من «كلنا إرادة». وتؤكد مصادر نيابية لـ «الأخبار» أن ممثّلي الجمعيات الثلاث الذين نشطوا أخيراً في التغريد حول ملف الترسيم، لم يذكروا آنذاك الخط 29 أو أي إضافة على الخط 23 الذي كان معتمَداً بموجب المرسوم 6433 الصادر عام 2011، مع أنّ العقيد مازن بصبوص كان قد أنجز دراسته التي اعتمدت الخط 29 بين عامي 2012 و2013. وقبلها، في آب 2011، صدر تقرير عن المكتب الهيدروغرافي البريطاني (UKHO) ذكر أنّ المساحة التي يحق للبنان المطالبة بها تتجاوز الخط 23 جنوباً إلى الخط الذي عُرِف لاحقاً بالخط 29.

 تؤكد مصادر نيابية أن ممثّلي الجمعيات الثلاث الذين نشطوا أخيراً في التغريد حول ملف الترسيم لم يذكروا آنذاك الخط 29

تطوّر خطاب جمعيات «الشفافية والحوكمة» حيال ملف استخراج النفط والغاز واستثماره مع توالي التطوّرات. بعد 17 تشرين الأول 2019 انتقل موظفو هذه الجمعيات إلى ساحات التظاهر وظهروا في «قنوات الثورة» لترديد مطلب أساسي، وهو «عدم السماح للسلطة الفاسدة باستخراج النفط لأنها ستسرقه». وفي عام 2021 تحوّل الخطاب إلى مرحلة التثبيط من خلال «خفض التوقّعات بأن يصبح لبنان دولة منتجة للنفط والغاز»، لتظهر منذ أشهر نغمة لافتة على ألسن هؤلاء «الخبراء»، بأنّ الأولى هو البحث في الاستثمار في الطاقة الشمسية كونها أكثر نجاعة وتمثّل حلولاً لمشاكل الطاقة في لبنان، بدل انتظار استخراج الغاز والنفط اللذين لن يُستَخرَجا. بعض هؤلاء انخرط في عملية التفاوض برعاية الأميركيين وحتى قدّم أفكاراً، مثل لوري هايتيان التي اقترحت في تغريدة، في كانون الأول 2020، على عاموس هوكشتين أن تقوم شركة «بترول أبوظبي الوطنية – أدنوك» بشراء حقوق الحفر والاستخراج في حقل «كاريش» من شركة ENERGEAN وبعدها «اقتسام العائدات/الموارد» بين لبنان وكيان العدو الإسرائيلي. هوكشتين آنذاك كان يطرح فكرة أن تصبح «أدنوك» الإماراتية «جزءاً مهماً في حل النزاع البحري بين لبنان وإسرائيل إذا حصلت على حصة تشغيلية في البلوكات الجنوبية اللبنانية وكذلك البلوكات الشمالية الإسرائيلية». طبعاً طرح هوكشتين لاقى رفضاً قاطعاً من المسؤولين اللبنانيين كونه يُعَدُّ باباً لجرّ لبنان إلى التطبيع.
أما بعض النواب «التغييريين»، الـ «طليعيين» اليوم في المطالبة بالخط 29 رغم أن حملاتهم الانتخابية لم تأتِ على ذكره، فيتقدّم خطابهم في شأن الترسيم على كل القوى السياسية في لبنان، وهم يكادون يطالبون بتدخّل المقاومة لانتزاع الحقوق اللبنانية البحرية، لولا أنّ هذا المطلب سيكون مناقضاً لكليشيهات «السلاح»، التي بنوا عليها حملاتهم الانتخابية.
كيف تُفهم هذه الحماسة؟ بعض المؤشرات والقرائن تفيد بأنّ الاستعراض الذي صدر عن بعض نواب «التغيير» لا ينحصر فقط بالدعاية والشعبوية سعياً لإحراج الأحزاب والقوى التقليدية، إذ تبرز مجموعة تساؤلات توجَّه إلى الجهات التي موّلت حملات «قوى التغيير» الانتخابية: هل هناك ما تخجلون بأن تعبّروا عنه صراحة الآن، كون أوانه لم يَحِن بعد؟ وهل هي مصادفة أن المنصّة (كلنا إرادة) التي موّلت حملاتكم الانتخابية تضم شخصيات تعمل لدى صناديق تحوّط وشركات إدارة أصول دولية سبق أن تحدّثت عن «تسنيد عائدات النفط والغاز المستقبلية» كحلول لمعالجة أزمة القطاع المصرفي؟ هذا ما قاله عامر بساط، عضو مجلس إدارة «كلنا إرادة»، ورئيس فريق الاستثمارات السيادية والأسواق الناشئة في شركة BlackRock، التي «يصادف» أنّها تملك جزءاً لا يُستهان به من سندات الدين اللبنانية بالعملات الأجنبية (اليوروبوندز). بالمناسبة، في مقابلة ليل 31 أيار الفائت على قناة «الجديد»، رشّح رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي عامر بساط لتشكيل الحكومة المقبلة كونه «اختصاصياً ويعرف الحلول»، وكشف أنّه كان يستشيره ويوقظه بعد منتصف الليل لأخذ رأيه في أمور مرتبطة بخطة حكومته للتعافي الاقتصادي والمالي.

وفي مقابل هذا الطرح، ظهر قبل أيام طرح فادي خلف، الأمين العام لجمعية المصارف التي تتصارع منذ عامين مع أنصار الفريق الذي يمثّله بساط و«كلنا إرادة»، ومن خلفهم LIFE، حول مضامين خطط التعافي، بأن «تتعهّد الدولة بتخصيص 20% من صافي المداخيل من الغاز والنفط» لتغذية صندوق يعيد تكوين ودائع اللبنانيين. وبذلك يكون اللبنانيون بين جمعية مصارف أعلنت عن نواياها بكل وضوح، مقابل طرف آخر لا يزال حتى الآن يدور حول الخطاب الشعبوي المدّعي رفضه تكبيد أصحاب الودائع والدولة الخسائر، من دون أن يفصح بوضوح عن هدفه الحقيقي.


WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com