كتبت الانباء:

بين زيارة الموفد الفرنسي جان إيف لودريان التي انتهت بسقوط اقتراح طاولة حوار تجمع ممثلين عن مختلف الكتل النيابية لوضع مواصفات الرئيس العتيد، وبين جولته الأخيرة التي بدأها بالثناء على مبادرة الرئيس نبيه بري الأخيرة، التي حاول من خلالها أن “يزرك” فيها القوى المعارضة بزاوية رفضهم للحوار، بوعده بإقامة جلسات مفتوحة لإنتخاب رئيس، في محاولة لتصويرهم على أنّهم المعرقلون وينتظرون الإشارات الخارجية لحلحلة الأمور، وتعبيد طريق ملء فراغ بعبدا، وبالطبع لوضع نفسه في إطار المبادر الحكيم صانع الحلول والتسويات.

بين تلك الزيارة وهذه تغيّرت المعطيات وتبدّلت الأسماء المطروحة للنقاش، ومن خفت نجمه سابقاً عاد ليسطع ومن كان نجم الساحة والمرشح الأوّل والأوحد لحزب الله وحلفائه لم يعد وحيداً.

كلّ طرف يحرّك لاعبيه في لقاء هنا وموقف هناك لتمرير الرسائل وما يَرِد فيها أهمّ من المواقف المعلنة في المناسبات و”العشاوات”. فمن سيقول في نهاية اللعبة “كشّ ملك”؟!

فرنسا دائماً مع مبدأ الحوار، هو مبدأ يعتمده الرئيس إيمانويل ماكرون في الداخل لحلّ الخلافات بين فريقه والمعارضة داخل البرلمان الفرنسي وهي مصرّة على أنه الطريق الأوحد لفكفكة التعنت بين الفريق المعارض والآخر الممانع في لبنان.

وعلى الرغم من أن المبعوث الفرنسي لم يتمكّن من التوصل الى حلّ وسطي بين الفريق الممانع والفريق المعارض إلا أنه مخطئ من يظنّ أن لودريان قد غادر خالي الوفاض. لأنّ مهمّته بالأساس لا تقتصر على التوصل الى انتخاب رئيس للجمهورية. فرئاسة الجمهورية هي أقلّ ما يقلق باريس، بل تتخطّى ذلك الى ملف أكبر بكثير يهدّد لبنان وهويّته في لعبة الدول الكبرى في المنطقة.

هذا ما أكّده النائب الرديف في البرلمان الفرنسي جوزف مكرزل في حديث لـ”نداء الوطن”، إذ شدّد على أن فرنسا لا ترغب بفرض وصايتها على لبنان كما أنّها لن تتراجع في مبادرتها ولن تستسلم، ليس لأن لديها مصالح فيه، بل مصالحها الكبرى مع دول الخليج حالياً ومن بينها السعودية.

وكشف أنّ للودريان دوراً كبيراً في المصالح الاقتصادية المهمّة بين فرنسا والسعودية وهو مسؤول عن أحد أهمّ المشاريع وأضخمها بين البلدين. كما لفت مكرزل الى أننا ذاهبون نحو إعادة تموضع في المنطقة بدأت تظهر معالمها على الحدود السورية – العراقية وعلى الحدود السورية – التركية، ولبنان الحلقة الأضعف في المنطقة لأنه بلا إدارة ولا قيادة وإذا تمت إعادة تموضع المنطقة فستحصل على حساب لبنان وهذه هي مهمّة لودريان الاساسية في لبنان.

وعمّا إذا كان الدور الفرنسي قد بدأ بالتراجع بعد دخول قطر على الخط بتفويض سعودي، أكد مكرزل أن فرنسا لن تتراجع عن تمسّكها بأهمّية الحوار ولو لم يكن شاملاً، سائلاً: “لماذا التهرّب من الحوار؟ فقد أُثبت في مراحل سابقة أنه قادر على وقف الحروب ولو أنه، سياسياً، لم يوصل الى نتائجه المرجوّة في بعض الأحيان إلا أن سبب ذلك نتائج الانتخابات وإعادة انتخاب الطبقة الحاكمة نفسها”.

ولفت الى أننا في حلقة مفرغة حالياً والذهاب الى جلسات مفتوحة أُثبت أنه لن يجدي نفعاً لأن “الفريق الحاكم بالأمر الواقع” سيستمر باعتماد النهج ذاته بإفقاد الجلسات نصابها.

على أي حال، بدأت الغالبية في مجلس النواب بالاقتناع بأن الحوار هو الباب للحلحلة ولو سمّي بـ “التشاور” أو لم يكن على طاولة جامعة، وقد ظهر ذلك جلياً في مواقف عدّة في الساعات الأخيرة.

وفي المحصّلة، المبادرة الفرنسية ليّنت الموقف المعارض ودفعت به نحو القبول بالتشاور لاختيار مرشّح جديد وجدّي يحاكي ما تراه “الخماسية” مناسباً للمرحلة ولا يمثّل لا استفزازاً ولا انتصاراً للفريق الممانع.

كما بات جلياً أن موقع رئاسة الجمهورية ليس المهمّ لفرنسا أو لغيرها وليس مفتاح المرحلة إذ أن صلاحيات الرئيس قليلة والدور الأكبر يبقى لرئيس الحكومة الذي سيسمّى بعد ملء فراغ بعبدا وهذا ما تعمل عليه “الخماسية”.

لودريان غادر لكنه عائد خلال أيام… ترشيح سليمان فرنجية سقط كما ترشيح جهاد أزعور… والضوء سُلّط على الاسم الوحيد، الذي لن يسمح للمحور الإيراني بتسجيل انتصار ولن يكسر شوكة المعارضة كما أنّه سيحظى بتأييد “الخماسية”.


WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com