الإثنين 17 كانون الثاني 2022

كتبت صحيفة ” الجمهورية ” تقول : الحدث السياسي اليوم يتمثل في عودة مجلس الوزراء إلى الانعقاد ‏بعد فترة طويلة من التعطيل، وقرار “الثنائي الشيعي” بالعودة الى ‏المشاركة في جلسات الحكومة كان كافيًا لوحده لترييح الأسواق ‏المالية وانخفاض سعر الدولار، في دليل واضح الى انّ عامل الثقة ‏يشكّل المدخل الأساس لمعالجة الأزمة المالية المتفاقمة، والتي ‏تتطلب خطوات عملية، تبدأ من تحويل الحكومة ورشة عمل مفتوحة ‏بعد استعادتها لدورها، ولا تنتهي بإنجاح المفاوضات مع صندوق النقد ‏الدولي لإدخال العملة الصعبة إلى لبنان. ولا شك في انّ الأنظار ‏السياسية والشعبية ستتركّز على الجلسة الأولى للحكومة، التي غابت ‏عن المشهد السياسي طويلًا، وما يمكن ان ينتج منها من قرارات، وفي ‏طليعتها درس مشروع قانون موازنة 2022 وإحالتها إلى مجلس النواب، ‏خصوصًا انّ عودة مجلس الوزراء الى الانعقاد تساهم في تعزيز وضع ‏الاستقرار الذي كان اهتز أخيرًا مع ارتفاع الدولار وعودة الناس إلى ‏الشارع، ومع هذه العودة ستنصرف القوى السياسية والناس إلى ‏أولوية الانتخابات النيابية التي دخلت في نطاق العدّ العكسي ‏لإتمامها، على رغم الكلام المتواصل عن وجود نيات مبيتة لتطيير هذه ‏الانتخابات.‏
وقد انشغلت الأوساط السياسية والشعبية في البحث حول خلفية قرار ‏‏”الثنائي الشيعي” عودة المشاركة في جلسات الحكومة، حيث ‏وضعت هذه الخطوة ضمن الاحتمالات الآتية:‏
‏ ‏
الاحتمال الأول، له علاقة بانفراج ما غير مرئي بعد، ويتصل بالقضية ‏الأساس التي اتخذ الثنائي في ضوئها قرار مقاطعة جلسات الحكومة، ‏وهي قضية المحقِّق العدلي في انفجار المرفأ القاضي طارق البيطار، ‏فإما انّ هذا المسار سيشهد تطورًا في الأيام المقبلة يفضي إلى تغيير ‏القاضي، وإما حصل نوع من ارتياح لقراره الظني.‏
‏ ‏
الاحتمال الثاني، يتعلّق بتجديد التفاهم بين “حزب الله” و”التيار ‏الوطني الحر” على إثر التباينات التي شهدتها العلاقة بينهما ووصلت ‏إلى حدّ انتقاد رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس التيار جبران باسيل ‏الحزب، في إطلالتين إعلاميتين متزامنتين بدءًا من باب تعطيل ‏الحكومة، وهناك حديث عن تفاهم قد أُبرم بينهما وهو أبعد من ‏الحكومة ويتصل بالاستحقاقين النيابي والرئاسي، ومن مؤشراته وقف ‏عون وباسيل الحملة على الحزب.‏
‏ ‏
الاحتمال الثالث، يرتبط بتلمُّس الثنائي خطورة تسارع وتيرة الانهيار ‏المالي واقتراب الانفجار الاجتماعي، وبالتالي جاءت عودته عن قراره ‏في سياق محاولة فرملة الانهيار المالي المتسارع، والذي في حال ‏استمراره سيقود حتمًا إلى غضب شعبي كبير.‏
‏ ‏
الاحتمال الرابع، يتعلّق بتطورات المنطقة، بدءًا من مفاوضات فيينا ‏النووية التي خرجت مبدئيًا من عنق التعقيد، وصولًا إلى الكلام عن ‏تقدُّم المسار التفاوضي بين الرياض وطهران.‏
‏ ‏
وبمعزل عن أي احتمال قاد إلى عودة تفعيل الحكومة، إلّا انّ هذه ‏الخطوة كفيلة بفرملة الانهيار ونقل التركيز إلى اجتماعات الحكومة ‏ومن ثم إلى مجلس النواب بعد إحالة الموازنة إليه، وما بينهما ‏المشهد الانتخابي الذي سيتقدّم هذه المرة على وقع استقرار سياسي ‏وتفعيل مؤسساتي، حيث سيتصدّر باب الترشيحات والتحالفات الأخبار ‏السياسية.‏
‏ ‏
موقف الثنائي
‏ ‏
في غضون ذلك، وبعد بيان “الثنائي الشيعي” الذي اكّد العودة الى ‏جلسات مجلس الوزراء لمناقشة موضوعي الموازنة وخطة التعافي ‏الاقتصادي، طرح بعض الاوساط السياسية سؤالاً، هل عاد الثنائي ‏الى الحكومة؟
‏ ‏
وقد أجابت مصادر الثنائي عن هذا السؤال واكّدت لـ”الجمهورية”، انّ ‏‏”موقف “حزب الله” وحركة “امل” لا يزال على حاله بالإصرار على انّ ‏السلطة التنفيذية متقاعسة عن القيام بما يلزم لضبط حالة الخلل ‏القضائي الفاضح الذي يشوب المسلك القضائي في قضية التحقيق ‏في انفجار المرفأ”. وقالت: “انّ ما صدر عنا بكل بساطة هو لقطع ‏الطريق على التخرصات التي تقول انّ خطة التعافي جاهزة للتنفيذ، ‏وانّ الثنائي يعطّلها ويعطّل هذه الفرصة على اللبنانيين، لذلك ‏سنشارك في الجلسات لمناقشتها وإقرارها، وكذلك في جلسة الموازنة ‏ونقطة على السطر”.‏
‏ ‏
وأضافت المصادر: “الهدف من الموقف الذي اتخذناه هو وقف حملات ‏التضليل التي تُمارس على الرأي العام، والتي تقول انّ الثنائي هو ‏الذي يعطّل التعافي الاقتصادي في البلد، علماً أنّ مطلقي هذه ‏المواقف يستغلون اوجاع الناس ومآسيها الناتجة من التردّي النقدي ‏والاقتصادي ويسجّلون ملامة علينا، ولكنهم في الحقيقة ليس همّهم ‏الناس بل يريدون عقد مجالس وزراء لأهداف أخرى ليس أبرزها ‏التعيينات. لكن نحن “رح نلحق الكذاب عباب دارو” وسنشارك في كل ‏الجلسات التي ترتبط حصراً بمعالجة القضية الاقتصادية وتحسين ‏الوضع المعيشي للناس، علمًا أن لا الموازنة جاهزة ولا خطة التعافي ‏جاهزة. ونحن ننتظر ان يدعو رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الى جلسات ‏فور جهوز الموازنة وخطة التعافي”.‏
‏ ‏
لا صفقة
‏ ‏
إلى ذلك، جزمت أوساط حكومية بارزة لـ،”الجمهورية”، انّ عودة ‏الثنائي الشيعي عن مقاطعة جلسات مجلس الوزراء “لم تنطو على ‏أي صفقة، وانما كانت جرأة منه بالتراجع عن هذه المقاطعة وتعبيرًا ‏عن حسّ وطني لديه ردّد رئيس الحكومة مراراً منذ بداية الأزمة انّه ‏يتكّل عليه ليكون هناك تعاون بين الجميع على معالجة الأزمة”. ‏واضافت: “لا احد يمكن ان يحدّد جدول اعمال مجلس الوزراء الذي هو ‏من صلاحية رئيس الحكومة، مع الأخذ في الاعتبار انّ المجلس يمكنه ‏ان يتصدّى لأي أمر يرى فيه خدمة للمصلحة الوطنية”. واشارت ‏المصادر نفسها، الى انّ مجلس الوزراء لن يخوض في التعيينات ‏الإدارية في هذه المرحلة، لأنّها عبارة عن تجاذبات انتخابية، والحكومة ‏لا تريد ان تدخل في هذا الخضم قبل إجراء الانتخابات النيابية”. واكّدت ‏الاوساط نفسها “انّ رئيس الحكومة الذي يتكّل دوماً على الحسّ ‏الوطني لدى جميع الأفرقاء من أجل تمكين الحكومة من معالجة ما ‏تتصدّى له من أزمات، فهو يرى انّ المصلحة الوطنية العليا هي التي ‏انتصرت في النهاية، وهذه المصلحة هي التي جعلته يتعاطى مع ‏الامور بصبر وعدم اتخاذ اي مواقف تؤزم الاوضاع، وهو في هذا ‏السياق احترم الميثاقية الى أقصى الحدود، بحيث انّه لم يقبل بانعقاد ‏اي جلسة بتراء لمجلس الوزراء يغيب عنها أي مكون ميثاقي، وهذه ‏الروحية سيتمّ تكرار التعبير عنها عند انعقاد مجلس الوزراء”.‏
‏ ‏
وكشفت هذه الاوساط، انّ ميقاتي يريد ان تكون الجلسة الاولى ‏المقبلة للمجلس بعد انتهاء المقاطعة، مخصّصة لمشروع قانون ‏الموازنة العامة لسنة 2022. واكّدت انه سينكّب هذا الاسبوع مع وزير ‏المال يوسف خليل على إنجاز هذا المشروع، تمهيداً لإمكان عقد ‏الجلسة الخاصة بهذا المشروع الاسبوع المقبل.‏
‏ ‏
وفي هذا السياق، أكّدت اوساط واسعة الإطلاع لـ”الجمهورية”، انّ ‏غالبية بنود مشروع الموازنة أصبحت منجزة. وتوقعت ان ترسله وزارة ‏المال الى رئاسة الحكومة خلال مهلة تتراوح بين 5 ايام واسبوع كحدّ ‏أقصى.‏
‏ ‏
وبناءً على ذلك، كشفت الاوساط انّ ميقاتي سيدعو الى جلسة ‏لمجلس الوزراء خلال عشرة أيام.‏
‏ ‏
موازنة المعادلة الصعبة
‏ ‏
وعلى الصعيدين الاقتصادي والمالي، ورغم انّ الانخفاض السريع ‏لسعر صرف الدولار طغى على ما عداه من تطورات مالية واقتصادية، ‏الّا انّه قد لا يمضي وقت طويل قبل أن ينتقل الاهتمام الشعبي ‏والرسمي الى ملف آخر سيصبح اكثر سخونة يرتبط بموازنة العام ‏‏2022، التي أصبحت في حكم الاولوية بعد استئناف الحكومة ‏لاجتماعاتها. وستصبح الموازنة نقطة تجاذب انطلاقًا من طبيعة ما ‏ستتضمّنه من قرارات تهدف الى زيادة إيرادات الدولة، لخفض العجز، ‏ليتماهى مع متطلبات التفاوض مع صندوق النقد الدولي.‏
‏ ‏
وقد صار واضحاً ان لا إيرادات من دون زيادة الضغوط المعيشية على ‏المواطنين، اذ انّ كل الافكار المطروحة ستؤدّي الى زيادة الضرائب ‏والرسوم وتسعيرة الخدمات التي تقدمها الدولة. وهناك مجموعة ‏اجراءات سيكون من الصعب إمرارها من دون اعتراضات شعبية، ‏وأهمها:‏
‏ ‏
اولا – زيادة سعر الصرف الرسمي للدولار بهدف رفع تعرفة الرسوم ‏ومن أهمها تعرفة الاتصالات الخلوية والانترنت.‏
ثانيا – زيادة سعر الدولار الجمركي الى مستويات قد توازي سعر ‏الصرف على منصة صيرفة.‏
ثالثا – زيادة كل الرسوم والضرائب المرتبطة بالمعاملات الرسمية.‏
رابعا – إقرار رفع تعرفة الكهرباء التدريجية تمهيدا لتلبية شروط البنك ‏الدولي لوقف الهدر واستجرار الغاز من مصر والكهرباء من الاردن.‏
‏ ‏
وهذه البنود الحيوية لرفد الخزينة بأموال تحتاجها بقوة، ستزيد ‏الضغط المعيشي على المواطنين، ولن يكون خفض الدولار، كما جرى ‏في الايام القليلة الماضية كافياً للتعويض. وهنا تكمن المشكلة التي ‏ستبحث الحكومة عن مخرج لها، أي ارضاء صندوق النقد وتحقيق توازن ‏مالي في الموازنة، وفي الوقت نفسه ضمان عدم حصول انتفاضة ‏جوع في الشارع. انها المعادلة الصعبة، والتي يعتبر البعض انها شبه ‏مستحيلة.


WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com