كتب خالد أبو شقرا في “نداء الوطن”:

تحدٍّ جديد يواجهه لبنان من خارج سياق الإنهيار. فالتضخم الذي أطل برأسه من بوابة القفزات الكبيرة في أسعار النفط والحبوب والأعلاف، سيترك انعكاساً مزدوجاً على الاقتصاد. فمن جهة ستزيد هذه الارتفاعات من معاناة المواطنين في الداخل وتفاقم نسب الفقر والعجز عن تأمين الاساسيات؛ فيما سيؤدي اعتماد لبنان شبه الكلي على الاستيراد، إلى مزيد من الطلب على الدولار، ويطيح بكل الاجراءات التي يحاول «المركزي» اتخاذها للمحافظة على الاستقرار الاصطناعي في سعر الصرف.

لم تصدر بعد إحصاءات التجارة الخارجية عن العام 2021، إلا أنه بحسب إدارة الجمارك فقد بلغت حصيلة الاستيراد للفصل الأول من العام الماضي حوالى 3.3 مليارات دولار. الأمر الذي يقود إلى الاستنتاج أن مجمل قيمة الاستيراد عن العام 2021 قد تكون تجاوزت 13 مليار دولار. وذلك بالمقارنة مع استيراد بقيمة 19.2 مليار دولار في العام 2019 و11.3 مليار دولار في العام 2020. هذه العودة الموسعة إلى الاستيراد في العام 2021، بعد تقلصها في العام 2020 نتيجة صدمتي كورونا والانهيار، «ستنسحب على العام الحالي»، بحسب التوقعات.

إرتفاع فاتورة الاستيراد

في ظل غياب البدائل للنقل الخاص والمولدات، فان الطلب على المحروقات هذا العام سيبقى مرتفعاً نسبياً، وسيتراوح بين 1.5 و2 مليون طن للبنزين، وبين 4.1 و4.5 ملايين طن للمازوت، فيما تقّدر قيمة الطلب على المواد الغذائية الأساسية بحدود 2.5 مليار دولار، وتصل فاتورة الأعلاف إلى أكثر من 250 مليون دولار. وعليه فان هذه الفاتورة المحصورة بالأساسيات والمقدرة قيمتها بحدود 10 مليارات دولار سترتفع بين 30 و50 في المئة على أقل تعديل وستتراوح بين 13 و15 مليار دولار.

عجز الميزان التجاري

في الوقت الذي يفترض فيه أن يؤدي ارتفاع الأسعار إلى تراجع الإستهلاك يرى أحد الخبراء أن «مرونة الطلب على الأساسيات خفيفة، لانه ببساطة لا يوجد لها بديل. فارتفاع أسعار السلع لن يؤدي إلى تراجع الطلب عليها بالنسبة نفسها. ما يعني أيضاً أن العجز في ميزان المدفوعات الذي انخفض في العام 2021 إلى حدود «2 مليار دولار»، بحسب التقرير الاقتصادي الفصلي لبنك عوده، «بسبب ارتفاع الموجودات الخارجية الصافية للمصارف بقيمة 2.6 مليار دولار، وتحويل 1.139 مليار من صندوق النقد الدولي كحقوق سحب خاصة، والتراجع النسبي في الاستهلاك… سيعود إلى الارتفاع وتسجيل أرقام كبيرة قد تفوق 5 مليارات دولار».

بحسب آخر المعطيات المسجلة صباح أمس، سجل سعر خام برنت 128 دولاراً للبرميل، فيما ارتفع خام تكساس إلى 124 دولاراً للبرميل الواحد. أي أن أسعار المحروقات زادت بنسبة تتراوح بين 77 و80 في المئة بالمقارنة مع أسعار مطلع كانون الثاني الماضي. فيما وصل سعر الغاز إلى مستوى تاريخي قرب 350 يورو لكل ميغاواط ساعة في أوروبا. كذلك الأمر بالنسبة إلى «أسعار الحبوب والمواد الغذائية التي قفزت بنسبة 20.7 في المئة»، بحسب منظمة «الفاو». وهي مرشحة للارتفاع بنسب أعلى مع كل ارتفاع بأسعار النفط وازدياد الطلب العالمي عليها، وتقطّع سلاسل الإمداد.

الضغط على «المركزي» يتزايد

هذا الواقع يضعنا أمام تحد جديد يتعلق بقدرة المركزي على الاستمرار في تأمين الدولار للجميع وبدون سقوف من خلال التعميم 161، وتغطية العجز في الحساب الجاري أي (الفرق بين الصادرات والواردات من بضائع وخدمات، بالإضافة إلى الفارق بين الحوالات، التدفقات المالية من وإلى الاقتصاد. يستثنى من هذا الحساب الأموال المستثمرة بالأصول واستثمارات الأسواق المالية)، ولا سيما مع نضوب بقية المصادر التي تُدخل الدولار من استثمارات مباشرة وسياحة وتراجع مردود الصادرات. هذا العجز في الميزان التجاري «لا يمكن تعويضه»، بحسب الخبير المالي والمصرفي د. جو سرّوع، «لانه يتطلب تدفقات نقدية واردة بالفريش دولار، فيما كل ما يملكه «المركزي» من مصادر للدولار محصور بأمرين: شراء الدولار من السوق، أو مد اليد على التوظيفات الإلزامية». وهذه الخيارات المحصورة «ستضيق أكثر على «خناق» الإقتصاد مع استمرار ارتفاع الأسعار، وفقدان مصرف لبنان رفاه التدخل بتغطية العجز في هذا الحساب، خصوصاً مع استمرار الدعم على السلع والبضائع التي لا تلبث أن يعاد تهريبها».

هذه الإشكالية التي لم تحل خلال سنوات الأزمة الثلاث والأعوام التي سبقتها تتطلب تدخلاً جدياً من الدولة. «إذ لا يمكن الاستمرار باهمال الإصلاحات وعدم القيام بأي خطوات جدية ومعاداة العالم أجمع، وترك مصرف لبنان يتدخل بسياسات ظرفية غب الطلب»، يقول سروع. تُظهر الأرقام أن احتياطي العملات الأجنبية في مصرف لبنان تراجع في الأشهر الأربعة الأخيرة بأكثر من 2 مليار دولار بحسب المستشار المالي د. غسان شماس. وهو ما يطرح السؤال الجوهري من أين يؤمن «المركزي» النقد الصعب؟ لان الأجوبة التي تُقدَّم بالوكالة عنه، والتي تُرجع العرض إلى شرائه الدولار من omt وأرباح الكازينو والميدل إيست… غير مقنعة، والاكيد أنها لا تغطي هذه الكمية من العرض. الأمر الذي يدفع إلى الشك باستخدام التوظيفات الإلزامية او استعمال الاموال المعطاة من صندوق النقد الدولي على شكل حقوق سحب خاصة، أو حتى استبدال توظيفات المصارف بالليرة اللبنانية على سعر صيرفة.

وكائناً ما كان الجواب فـ»من المهم معرفة مصدر هذه الدولارات»، يقول شماس، «لانه عند معرفة مصدر الدولارات النقدية الذي يدفعها «المركزي»، «بطيبة خاطر»، ومن دون سقف نستطيع الحسم إن كان ارتفاع أسعار السلع والمواد الاستراتيجية العالمية سيترك تأثيره علينا. إلا أنه من الواضح لغاية الآن أن مصادر هذه الدولارات غير مستدامة، وستؤدي إلى استنزاف المزيد من الاحتياطيات مع كل ارتفاع في أسعار السلع والمواد العالمية، وتحديداً منها السكر والقمح والمشتقات النفطية التي بدأت تفقد في الأسواق المحلية. ففي حال وصول سعر صفيحة البنزين إلى 600 ألف سيعني هذا دفع مصرف لبنان 30 دولاراً عن كل 20 ليتراً، ستخرج من لبنان. الطلب المرتفع على الدولار، «يحتم على مصرف لبنان إعادة النظر بسياساته عامة، وبالتعميم 161 خاصة»، من وجهة نظر سروع، «فليس من المنطقي ترك سقف التحويل من الليرة إلى الدولار مفتوحاً». وإتمام المصارف عمليات على صيرفة بملايين الدولارات غير واضحة الاهداف أو الاسباب.

وبحسب سروع فان «المطلوب مصارحة «المركزي» الرأي العام بحجم تدخله، وكيفية تأمينه الدولار عبر منصة صيرفة، وكيفية توزيع المبالغ على المستفيدين من التعميم 161 ومقدار انخفاض الودائع مقابل ما يسحبه العملاء نقداً وعلى أي قطاعات. مع العلم أن تدخل «المركزي» الأساسي مصدره من استخدام فائض التوظيفات الناتج عن تراجع الودائع، أي أنه يستعمل نسبة 14 في المئة المحررة من التوظيفات نتيجة السحوبات من الحسابات. الخطير أن عمليات مصرف لبنان، والتي بجزء منها تنعكس ايجاباً من خلال امتصاص فائض الليرة، لا تتم وفق خطة بعيدة المدى، ولا تأتي من ضمن رؤية موحدة للحل وللخروج من الأزمة. فـ»المركزي» يسابق على حلبة أشواك ارتفاع الأسعار «حافي القدمين». الأمر الذي ستكون نتيجته تضييع المزيد من الدولارات التي نحن بأمس الحاجة إليها لاستعادة العافية في مرحلة الإصلاح.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com