السبت 15 كانون الثاني 2022

كتبت كارين عبد النور في “نداء الوطن”:

كثير من الوزراء السابقين الذين حاولت «نداء الوطن» التواصل معهم اعتذروا عن إبداء الرأي. منهم من قرر الابتعاد كلياً عن الأضواء رافضاً الإدلاء بأي تصاريح صحافية أو إعلامية، في محاولة لاستعادة مساحة ما من الخصوصية «المسلوبة». ومنهم من اتخذ قرار عدم النقاش في ما قد يعيده بالذاكرة إلى مرحلة «يحاول الخروج منها»، على حدّ تعبيره. ثم هناك من كان لديه الرغبة في الكلام، لكن التردّد مردّه الخوف من أن يكون التعبير عمّا يعتريه من مشاعر سلبية – ولّدها المعترك السياسي وكان وقعها قاسياً على حياته الاجتماعية والعائلية – رادعاً أمام من تراوده فكرة الانغماس في السياسة مستقبلاً.

أما من لم يمتنعوا عن الكلام، فإليكم بعض ما أخبرونا.

مروان شربل: الناس لم يفهموني في حينه


البداية كانت مع وزير الداخلية والبلديات الأسبق، مروان شربل، الذي اختبر الحياة المدنية والعسكرية كما الوزارية، ولكل منها مشقاتها. فتحوّله من عميد متقاعد إلى وزير حتّم عليه تغييراً في السلوك كما في الحياة اليومية العائلية والاجتماعية. هو لم يسمح لمغريات المناصب أن ترخي بظلالها على مبادئ تربية الأولاد حيث لم يتم تمييزهم بأي معاملة تفضيلية عن زملائهم. من هنا، لم يكن ثمة فرق بالنسبة إليهم خلال فترة توزير والدهم وما تلاها. ويعترف شربل أن العمل الوزاري «سرقه» من زوجته وأولاده، لا سيما أن المرحلة التي تبوّأ فيها المنصب كانت صعبة للغاية لما شهدته من تفجيرات وسيارات مفخخة وعمليات خطف. كما أنه دفع الثمن صحياً، إذ إن ضغط العمل وحجم المسؤولية انعكسا سلباً على نشاطه الجسدي في بعض الفترات. ولا ينفي أن شهرة المنصب قضت على جزء كبير من حياته العائلية الخاصة. فقد أصبح من شبه الاعتيادي لفت انتباه الناس أثناء التواجد في الأمكنة العامة. لكن المنصب زاد في المقابل من ثقة الأولاد بالنفس في ما خص ترتيب متطلبات حياتهم اليومية. شربل لم يحظ بمحبة الناس في بداية المشوار السياسي. فكثيرون لم يتقبلوا الأسلوب الدبلوماسي الذي دأب على اعتماده آنذاك في وجه الظروف الأمنية الضاغطة، إذ كانوا ينتظرون منه أن يضرب بيد من حديد. لكنه يضيف: «لقد فهم الناس بعد فترة سياستي وأدركوا كم كانت فعالة في تجنيب البلد الكثير من المآزق، وها أنا أنعم اليوم بمحبتهم وتقديرهم لي». السيدة زوجته تقول إنها كانت «مرتاحة» أكثر قبل توليه الوزارة، لكنها تأقلمت وعائلتها إلى حدّ ما مع الموضوع. وفي حال مرّوا بتجربة مماثلة، فسيستفيدون من سابقتها تحاشياً لأخطائها. وعن سؤال حول ما إذا غيّرت السياسة بشخص مروان شربل، تجيب الزوجة: «مروان الأب والزوج لم يتغير، لا بل على العكس بات أكثر هدوءاً وتفهماً، وهو أمر ضروري للتعامل مع ضغط العمل وتحديات الحياة المستجدة».

غادة شريم: تنمّر وتجريح

ننتقل إلى وزيرة المهجرين السابقة، غادة شريم، التي دخلت المعترك السياسي من ضمن حكومة الرئيس حسان دياب بُعيد «17 تشرين»، في واحدة من أكثر اللحظات التي مرّ بها البلد حراجة منذ اتفاق الطائف أقلّه. وعلى الرغم من معرفتها أن الحكومة التي أصبحت جزءاً منها كانت مرفوضة مسبقاً من شريحة عريضة من الشارع اللبناني، إلّا أن شغفها بالسياسة وحلمها في التغيير شجّعاها على خوض التجربة. استولت السياسة على حيّز كبير من وقتها، وذلك على حساب التزاماتها العائلية والمنزلية، رغم التشجيع الذي تلقّته من أفراد العائلة. كما أبعدت عنها عدداً لا يستهان به من المقربين، خاصة أولئك المنضوين في إطار المجتمع المدني وتحت لواء «الثورة». من ناحية أخرى، واجهت شريم صعوبة في تحصين أولادها في وجه مواقف التنمّر والتجريح التي كانوا وما زالوا يتعرضون لها نتيجة اقتراب والدتهم في لحظة معيّنة من فلك منظومة «فاسدة» في عيون الكثيرين. وهي تخشى من أن يكون المنصب الوزاري قد طبعها بطابع قد لا تتمكن من التخلص منه حتى بعد خروجها من كنف السلطة. «الناس أخذوا الفكرة عني ومن الصعب تغييرها»، كما تقول. أما أكثر ما يزعجها، فهو أنّ حيز الخصوصية لديها بات شبه مفقود: «الموقف الذي أُعبّر عنه أصبح يُحسب علي، لذا من شأني الانتباه أكثر لما أقول وأصرّح». ثم أن فكرة تحوّلها «شخصية عامة» تُسلّط الأضواء عليها وعلى أفراد عائلتها حيث يتواجدون تضايقها هي الأخرى، إذ لا مساحة للحياة الخاصة بعد الآن. أضف إلى ذلك أن حادثة تعرّض مجموعة من الثوار لسيارتها، حتى دون أن يدروا من في داخلها، قد خلّفت أثراً فيها أيضاً. شريم لن تكرّر التجربة في ظروف مماثلة، إلا إذا تبدّل الجو العام وأصبح أقل تشنجاً، ما يسمح للشعب التمييز بين الصالح والطالح. وتختم مردفة: «صحيح أن الانخراط في العمل السياسي أمر شائك في كثير من دول العالم حيث هناك من يؤيدك ومن يعارضك، لكن الوضع في لبنان أكثر تشعباً وتعقيداً… ورغم ذلك، لا يمكن الاستسلام».

فادي جريصاتي: فليحاسبوني شخصياً بعيداً عن أولادي 

محطتنا التالية كانت مع وزير البيئة السابق، فادي جريصاتي، الذي لم تخلُ تجربته السياسية من المطبات والتحديات. يقول لنا: «دخلت الحياة السياسية بعد مسيرة من النضال والحلم ببلد أفضل وأجمل وكانت توقعاتي تتأرجح بين براءة الأحلام بالإصلاح وبين واقع العمل السياسي في لبنان». منحته السياسة لقب «معاليك» كما عزّزت خبرته في مجال البيئة التي تولّى وزارتها، لكنها أخذت منه أكثر مما أعطته بأضعاف. فأهم ما خسره جريصاتي ولن يعوّض، بحسب رأيه، هو خصوصية العيش في لبنان، إذ «حين يخرج السياسي من السلطة في الدول الأوروبية وأميركا، يعود إنساناً عادياً بنظر المجتمع، أما في لبنان ففقدان الخصوصية حالة لا تفارقه». أطفال جريصاتي الثلاثة لم يسلموا من مطاردة شبح مهمة والدهم السياسية لهم في مدارسهم وحياتهم اليومية أيضاً. فما ذنب الأطفال، والحال كذلك، كي يتعرضوا للتنمّر بسبب أمور لا شأن لهم فيها؟ هنا يعلّق جريصاتي: «حتى لو أخطأت، فليحاسبوني شخصياً لكن ليبتعدوا عن أولادي». توزيره حدّ ولا يزال من تواجده في الأماكن العامة مع عائلته، فهذا أصبح من شبه «المحرّمات» في حياتهم. وفي حين يؤكد تفهمه لوجع الناس، إلا أنه يطلب منهم ألا «يضعوا الجميع في سلة واحدة» وأن يروا فيه «الإنسان» وليس «الوزير». فمرحلة التوزير ولّت وبقي منها فادي الإنسان-المواطن. ويضيف أن التجربة السياسية جعلته يكتشف المحيطين به على حقيقتهم. فثمة من خيّب أمله ومن تخلى عن مبادئه. كما مرّ عليه وعلى عائلته أيام اعتراها هاجس القلق الأمني، لا سيما في أول أيام الثورة. ولم يفته التطرّق إلى مواقف محرجة واجهته أبرزها حادثة الجميزة حيث تعرّض له بعض شباب الثورة أثناء تواجده في أحد المطاعم. ليس وارداً أن يعيد جريصاتي الكرّة. فخوض غمار التجرية السياسية، إضافة إلى آثاره المعنوية السلبية، أساء إلى سمعته وأضرّ بعمله ما اضطره إلى السفر خارج لبنان، حيث لا أصابع اتهام تُوجه إليه ولا أعين تلاحقه أينما حلّ. «السياسة نقمة لا سيما في ظل النظام السياسي الحالي، فقد عُيّنت وزيراً لمدة ثمانية أشهر لكني سأواصل على ما يبدو دفع الثمن طيلة حياتي».

رائد خوري: الانهيار لم يميّز وزيراً عن آخر

إلى وزير الاقتصاد والتجارة السابق، رائد خوري، الذي لم يأت من خلفية سياسية تقليدية، بحسب قوله. فقد دخل الوزارة كخبير اقتصادي وتقني وسعى إلى الحدّ من نسبة التعاطي «سياسياً» مع الأمور بالقدر المتاح والتركيز على التعاطي التقني البحت. السياسة أعطته نجاحاً على الصعيد العملي، إذ قدم خطة اقتصادية نالت موافقة مجلس الوزراء في حينه، لكنها قلّلت من منسوب الخصوصية في حياته، وهو أمر لا يمكن الرجوع فيه إلى الوراء. ويردف قائلاً: «من المستحيل أن تُقنع الشعب بأن يرى فيك منذ تولّيك المنصب رب عائلة له مساحته الخاصة لا وزيراً مُلكاً له وحسب». على الصعيد العائلي، لا شك أن الانهماك بالشأن الوزاري احتل هامشاً على حساب تأديته لواجباته تجاه أولاده، ولا ذنب لهم في ذلك. فحين غادر الوزارة، تنفسوا الصعداء لاشتياقهم إلى رائد الأب، رغم دعمهم المطلق لرائد الوزير. وماذا عن تعليقات الرأي العام؟ يجيب خوري: «رغم الإنجازات التي تحققت إلا أن سمعتي تأثرت كثيراً نتيجة الانهيار الحاصل في البلد والذي لم يميّز وزيراً عن آخر… رحنا بضهر البيعة». خوري يرى أن السياسة نعمة لمن يدرك كيفية التعاطي حيالها، لذا لا مانع لديه من تكرار التجربة شرط أن تكون من ضمن فريق تقني وعملي يشبهه وقادر على إنجاز التغيير الذي يحتاجه لبنان.

محمد داوود: السياسة مخاطرة

من ناحيته، دخل وزير الثقافة الأسبق، محمد داوود، المعترك السياسي بكامل إرادته مدركاً متطلباته ومطباته. صحيح أن الوزارة فتحت له آفاقاً جديدة ومختلفة ووسّعت من دائرة علاقاته الاجتماعية، إلا أنها أخذت منه حريته الشخصية كما أبعدته عن عائلته رغم سعيه الدائم للمحافظة على التوازن بين حياته الشخصية وحياته العامة. داوود يبتعد عن الأضواء قدر المستطاع، فطبيعة منصبه السابق في وزارة الثقافة، على أهميته، يجعله أقل عرضة لحكم المجتمع من مناصب وزارية أخرى أكثر حساسية. السياسة بنظره تجربة حلوة ومرة في آن. ففي حين لا يدّعي أنه ظُلم مثل غيره من الوزراء، إلا أن «التعاطي في الشأن العام في لبنان أمر صعب للغاية وله انعكاساته على الحياة الخاصة للفرد». داوود الذي لم يستطع توظيف إمكاناته بالشكل المطلوب في الوزارة إذ كان «عمرها قصيراً والظروف متشنجة جداً»، يعتقد أن «السياسة مخاطرة، قد توصلك إلى نهاية سعيدة وقد تودي بك إلى ما لا يحمد عقباه».

كميل أبو سليمان: التصالح مع الذات أو الفشل 

هناك وزراء سابقون لم يكن للحياة السياسية وقعها الملموس على حياتهم الاجتماعية اليومية لا سيما وأنهم يستقرون أساساً مع عائلاتهم خارج لبنان. وزير العمل السابق، كميل أبو سليمان، نموذجاً. إذ لم يطرأ تغيير كبير على حياته قبل انخراطه في العمل السياسي وبعده. فهو أتمّ مهمته الوزارية وعاد بعدها إلى ممارسة حياته العملية الطبيعية بعيداً من السياسة وشؤونها وشجونها. لا ينكر أبو سليمان أن السياسة ترفع من منسوب شهرة المرء، لكنها في الوقت عينه أخذت منه الكثير على الصعيد المالي والمجهود الذي بذله في حينه. «كنت أتحمّل شخصياً مصاريف سفري، وأسدّد أتعاب جميع المستشارين من جيبي الخاص… لقد تعاملت مع الوزارة من باب تأدية الخدمة أكثر مما رأيت فيها وظيفة أو مركزاً». لا يكترث أبو سليمان كثيراً لنظرة المجتمع إليه: «من يريد أن يخوض غمار الشأن السياسي وهاجس حكم الناس عليه يسكنه، إنما يحكم على نفسه بالفشل…

فمن باب أولى أن تكون متصالحاً مع ضميرك حتى لو صنّفك البعض ضمن طبقة سياسية مرفوضة». والحال أنه يعتبر نفسه في خدمة الشعب وليس العكس. وبالرغم من أنه لا يبدي ندماً على تجربته، لكنه ليس في وارد تكرارها في الوقت الراهن، لعدم اعتقاده أن المنظومة الحالية ذات قدرة على التأثير الإيجابي على الأوضاع الاقتصادية والمالية. وينهي مضيفاً: «حاولت، خلال فترة تولّي الوزارة، إبراز نموذج الوزير الاختصاصي لكن، للأسف، يبقى الانتماء متغلباً على الكفاءة في لبنان».

ليس ثمة جدال في أن السياسة باب واسع يدخله الحسن والسيئ، الناجح والفاشل، نظيف الكف والفاسد. كما لا شك أن محاسبة السياسي «المرتكب»مهما علا شأنه أو اشتد ساعد مرجعيته، إن وُجدت، واجب وضرورة. لكن محاسبة السياسي وتقييم أدائه – سلباً أم إيجاباً، اتفقت معه أم اختلفت – لا يجب أن يمنعا في مطلق الأحوال من احترام «الإنسان» الذي في داخله وهامش الخصوصية الفردية لديه.

هي جولة على عدد من الوزراء السابقين أردناها أن تكون بمنأى عن دهاليز السياسة وتعقيداتها، لا بل لسبر أغوار الجانب «الإنساني» لما تركه انخراطهم في الشأن الحكومي من أثر على ممارساتهم اليومية إن على الصعيد الشخصي، العائلي، المهني وحتى الاجتماعي.

البعض كان يجهل ما ينتظره معتبراً أن التجربة السياسية مغامرة وتحدّ إلى أن جاءت النتائج بعكس المتوقع. والبعض الآخر، رغم معرفته المسبقة بما يمكن للسياسة أن تأخذ منه، إلا أنّه واجه الظروف متسلحاً بالإيمان بقدرة على التغيير… نحو الأفضل.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com