كتبت جريدة الديار تقول: “لا نية للمجتمع الدولي لإعادة النازحين السوريين إلى بلادهم… دول كبرى تعرقل عودتهم بحجج عديدة”، هذا ما صرّح به مدير عام الأمن العام اللواء عباس إبراهيم من نقابة المحامين بطرابلس منتصف الشهر الماضي.

وفي التفاصيل، كشف اللواء ابراهيم أنّه قدّم عرضا للدول الأممية “تقضي بتأمين عودة آمنة بعدما حصلنا على ضمانة القيادة السورية، ولكن تم رفضه لانه لا إرادة دولية لعودتهم في المدى القريب”، ومما قاله: ” نحن والشعب السوري ضحية مؤامرة دولية كبيرة تقودها دول عظمى شردت شعبا بكامله”.

هذا، وكان الرئيس المكلف نجيب ميقاتي قد طرح موضوع إعادة النازحين السوريين إلى بلادهم في الشهر الجاري كذلك، ملمحا بما سمّاه “طرق غير مستحبة”، معيدا إحياء اللجنة الوزارية المؤلفة من 7 وزراء لمتابعة إعادة النازحين السوريين بموجب قرار الحكومة الصادر في العام 2021.

وبين الإعادة واللاإعادة تساؤلات تطرح حول جديّة طرح ميقاتي وقابليته للتحقّق في ظلّ تسويف متعمّد لحل هذا الملف إستمر لسنوات طوال.

في المقابل يطرح وجود ما يقارب مليون ونصف نازح سوري وأكثر في لبنان، حجم الأكلاف الإقتصادية المترتبة على هذا الوجود، في ظلّ انهيار دراماتيكي للقطاعين النقدي والإقتصادي في لبنان.

فضل الله: الموقف المرتفع لرئيس الحكومة مزايدة

حول أبعاد طرح الرئيس ميقاتي إعادة السوريين، وفي هذا التوقيت بالذات و”بالطرق غير المستحبة”، وضع أستاذ القانون والعلاقات الدولية الدكتور علي فضل الله في حديثه لـ “الديار” الموقف المرتفع لرئيس الحكومة في خانة المزايدة، متسائلا حول ماهيّة الإجراءات التنفيذية لهذا الأمر، وإن كان حصل فعلا تواصل حقيقي وفاعل مع القيادة السورية بهذا الشأن، مفترضا بالحد الأدنى تعزيز المجلس السوري -اللبناني المشترك، وليس حلّه كما طرح منذ فترة، وحدوث تواصل أكبر بين الدولتين والحكومتين، وإلّا لن تتّم الأمور بشكل جيد، وإذا كان المقصود بغير المستحبة “على طريقة بعض الدول أن نضع مراكب نرمي الناس على الشواطىء الأوروبية”، فليس هناك إرادة في لبنان لتصرّف من هذا النوع بغض النظر عن الجانب الحقوقي فيه.

وينفي فضل الله أن يكون لدى كلّ المسؤولين اللبنانيين إرادة موحّدة وجدية لمعالجة الملف البالغ عمره نحو 12 سنة، ولا تزال الأمور “مكانك راوح”، والسبب هو الضغط الخارجي، وسمعنا كلاما صريحا لمسؤولين غربيين وأوروبيين عن عدم إعادة النازحين إلى بلادهم، بل كانوا يطرحون فكرة دمجهم في المجتمعات المضيفة من خلال دفع الأموال لهم ، كما يحصل اليوم، فيما سيمتنعون عن ذلك إن عادوا إلى وطنهم، واشار الى أنّ العوائق الأساسية خارجية بشكل أساسي.

“NGOs” ومراكمة الثروات

ولنفترض أنّ طرح ميقاتي اتخذ منحى جديا، فهل يمكن لحكومة تصريف الأعمال حل الملف أم أن الأمر ينتظر تشكيل حكومة جديدة؟ يجيب فضل الله أنّه يمكن لحكومة تصريف الأعمال التصرّف في القضايا الداهمة والكبيرة، ويفترض عليها ذلك باعتبار ملف النازحين قضية وطنية عليا، ولكن المشكلة في الإرادة والقرار، مؤكّدا أنّ من يستمعون كثيرا للخارج ليس لديهم هذه الإرادة، إضافة إلى استفادة البعض ماليا من ذلك، فهناك عمليات استفادة ونهب كبيرة من الأموال التي تأتي للنازحين، وهناك من راكم الثروات ، منهم جمعيات ما يسمى بالمجتمع المدني (NGOs) والتي استفادت بشكل كبير، والفساد فيها أكبر من الفساد لدى الدولة .

واكد ان الضغط الغربي ورفضه لعودة النازحين السوريين ليس حبا بهم، بل للإستثمار فيهم من خلال خلق الإضطرابات يوما ما، والضغط على اللبنانيين وعلى الحكومة السورية، فالنازحون يشكّلون ضغطا طالما لا يزالون في الخارج، كما لا يزال الغرب يستثمر في الورقة السورية رغم تراجع الإهتمام الدولي بها، وكلّ ذلك خلط أوراق تبقى على الطاولة طوال الوقت.

وشدد على أنّ هناك مساحات كبيرة في سوريا أصبحت آمنة وهذا أمر واضح وجلي، ولكن لأنّ هناك قرارا، وهناك ضغط على النازح السوري بالموضوع المالي، بحيث أنّ الوضع الإقتصادي في سوريا متدهور وسيء جدا، وبالنسبة له فإنّ العيش في الظروف اللبنانية مع المساعدة التي تقدّم له بالدولار أفضل من العودة إلى سوريا من دون أيّ مساعدة، وختم بأنّ شروط الغرب لهذه العودة هي تنازلات من اللبنانيين والسوريين والحكومة السورية، ومحاولة تحقيق ما لم يتم تحقيقه بالحرب من خلال وسائط أخرى.

جابر: المشكلة غياب خطة وطنية

الأوضاع الإستثنائية في صعوبتها والتي يمرّ بها لبنان، أعادت طرح ملف عودة النازحين من الباب الاقتصادي، لا سيّما أنّهم يشكّلون ثلث عدد اللبنانيين وبالتالي ضغطا إقتصاديا كبيرا، ويقال إنّ لبنان تكبّد مليارات الدولارات كلفة النزوح، فيما سرقت معظم مليارات الدول المانحة لجيوب خاصة.

الباحث الإقتصادي الدكتور أحمد جابر أوضح لـ”الديار” أنّ عدد النازحين السوريين -وفق بعض الدراسات- يفوق المليون و500 ألف نازح، وهذا الرقم حصيلة دخولهم عبر المعابر الرسمية، لكن في المقابل يدخل الكثيرون منهم عبر المعابر الغير شرعية، ما يجعل من الأرقام المتداولة لعددهم لا تعبر عن الواقع، واضعا المشكلة في غياب خطة وطنية سياسية، إجتماعية وإنسانية لإدارة هذا الملف بشكل سليم، ما ساهم في فوضى يتحمّلها النازح السوري والمواطن اللبناني في آن، مضيفا أنّ لبنان استحوذ على الحصة الأكبر من النازحين لعدّة عوامل منها الجغرافي ومنها عجز الدولة في وضع خارطة طريق في التعامل مع هذه الأزمة، وعدم الإتفاق حول إنشاء مخيمات لهم خوفا من أن يتكرر ما حدث مع الفلسطينيين الذين لا يزالون في المخيمات منذ العام 1948.

أثمان إجتماعية واقتصادية

استهلاك كميات كبيرة من الخبز وربطها بأزمة الطحين في لبنان، وخلق أزمة دواء وغذاء وكهرباء ومياه وتعليم وسواها، إتهامات وجهت مؤخرا للنازحين السوريين، وبعيدا عن صحتها ودقتها من عدمه، هناك من دون شك تداعيات اقتصادية واجتماعية لوجودهم بهذه الأعداد الكبيرة، وفق جابر منها ارتفاع مستوى البطالة، وازدياد الهجرة اللبنانية، لا سيّما في ظلّ تقاعس المجتمع الدولي عن الوفاء بالتزاماته اتجاه النازحين والدول المضيفة، وتابع أنّ لبنان يعاني أصلا من عجز في ميزانه التجاري، إذ يستورد أكثر مما يصدر، وقد ترافق تحوّله لمجتمع إستهلاكي مع دخول النازحين السوريين ما شكّل ضغطا إضافيا على الإستهلاك وزاد الطلب على السلع فارتفعت الأسعار نتيجة الطلب الكبير الذي يقابله ضعف في الإنتاج والإستيراد لا سيّما أنّنا نستورد بالعملة الصعبة وتحديدا الدولار واليورو، ونحن نعاني من شح في هذه العملات، كما ترك النازحون السوريون انعكاسات ضاغطة على المدارس الرسمية فأعداد الطلاب السوريين أصبحت كبيرة، وهناك ضغط كذلك على المرافق الصحية والإمدادات المائية والكهربائية نتيجة الضغط السكاني.

يخلص جابر إلى أنّ الضائقة الإقتصادية التي يعاني منها لبنان والأزمات المتلاحقة وتآكل القدرة الشرائية للمواطن، ونسب الفقر التي وصل إليها البلد يفرض تنظيم ملف النازحين السوريين، فقد أصبح اللبناني الأكثر عوزا وفقرا من أي لاجىء ونازح موجود في لبنان، في المقابل تعمل المنظمات الدولية والجمعيات على دعم النازحين فيما أصبح اللبناني يحتاج إلى دعم لتلبية حاجاته الأساسية والضرورية والملحة.

ومؤخرا شهدت جلسة 16 آب الوزاريّة نقاشا حادا حول ملف عودة المهجرين السوريين، فيما زار وزير المهجرين في حكومة تصريف الأعمال عصام شرف الدين دمشق، والتقى وزير الإدارة المحلية والبيئة السوري حسين مخلوف الذي أكّد على توافق الرؤية بين الجانبين السوري واللبناني لجهة عودة جميع اللاجئين، وأنّ مراسيم العفو شملت جميع السوريين إضافة إلى تسهيلات حدودية وتأمين خدمات من نقل وإغاثة ومساعدات إنسانية وطبابة وتعليم وغيرها، فيما أشار شرف الدين إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد لقاءات متعددة مع الجانب السوري للبدء بإنجاز المرحلة الأولى من خطة عودة النازحين التي وضعها لبنان بعد إعداد الدراسات الإحصائية اللازمة.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com