غض النظر عن الاسباب والمسببين المباشرين لحادث الامس، الا ان ما جرى في الدورة ومناطق اخرى ليلا جرس انذار مرعب حول الآتي الاعظم اذا استمر ملف النزوح السوري من دون علاج، كنتيجة مباشرة لثلاث جرائم تاريخية في حق الوطن اللبناني. الجريمة الاولى ارتكبتها الجهات الاقليمية والدولية التي اشعلت الحرب في سوريا، ثم اخذت تتراجع تدريجيا عن مواقفها وادوارها، مخلفة وراءها بلدا مدمرا وعشراتِ آلاف الضحايا وملايينَ النازحين. وبعد كل ما جرى، يرفع المجتمعُ الدولي شعاراتِ الانسانية ويبدي حرصا مزيفا على شعب يدفع يوميا ثمنَ التضارب الدموي للمصالح الخارجية على ارضه. الجريمة الثانية، ارتكبتها حكومةُ نجيب ميقاتي السابقة، وكلُّ الحكومات التي اعقبتها وصولا الى اليوم، بفعل الامتناع عن مقاربة تدفّقِ النازحين بروحيةِ حماية لبنان، بل تَركت تلك الحكومات الامورَ على غاربها، تحت وطأة مزايدات المراهنين على سقوط الحكم السوري امام جحافل الارهاب. اما الجريمة الثالثة، فيرتكبها كلَّ يوم، كلُّ لبناني لا يزال الى اليوم يغضّ النظر عن مواقفِ القوى السياسية المسيحية وغيرِ المسيحية، التي امنت غطاءً سياسيا داخليا لفلتان النزوح، تحت شعاراتٍ واهية، ووصّفت تحذيراتِ الرئيس العماد ميشال عون والتيار الوطني الحر بالمتطرفة والعنصرية، من احزاب تجمع 14 آذار السابق، الى ثوار 17 تشرين وشعارِهم المشؤوم “لاجئين جوا جوا باسيل برا برا” . اما الاستفاقةُ المتأخرة على جري العادة لبعض القوى، فمسخرةٌ ما بعدها مسخرة، تستوجب الرّجمَ السياسيَّ من كل اللبنانيين الشرفاء، الرافضين للرهاناتِ الدائمة على ذاكرتِهم الجماعية الضعيفة، لتبرير كل الموبقات، من تشريعِ الاحتلال والوصاية الى ضربِ الدستور والميثاق وتكريسِ الفساد، وصولاً الى اغراق البلاد بمئات الوف النازحين بلا حسيبٍ ولا رقيب… أما وقد نعرت “المسلة” إحدى الجهات السياسية، جراء بضعة اسطر وردت في مقدمة اخبار الأوتيفي امس، ومن دون اي تسمية لأي حزب على الاطلاق، فضبطٌ بالجرم المشهود، لا يستدعي رداً مقابلاً، لأن التاريخ، والمواقف الموثقة صوتاً وصورة وكتابة، لا يمحوها بيان ولو كان طناناً رناناً، ولا صحوة ضمير متأخرة، لا تهدف في الاساس الا “لتجرة” جديدة بمصالح الوطن، واستثمار سياسي رخيص على حساب الناس.


WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com