السبت 27 آذار 2021

في الصفحة 165 من كتابه الشهير “قصتي مع الطائف”، يتحدث رئيس حزب الكتائب، واحد ابرز اركان اتفاق الطائف، الوزير والنائب الراحل جورج سعادة عن دور رئيس الجمهورية في تشكيل الحكومة فيقول:
“من المعلوم ان الحكومة لا يمكن ان تشكل الا بمرسوم يوقعه رئيس الجمهورية، وصلاحيته في هذا المجال مطلقة. لقد رفضنا في مناقشات اجتماعات الطائف اي نص يحد من صلاحيته هذه، رافضين كل الاقتراحات التي كانت تنص على اعطائه مهلة محددة لقبول التشكيلة التي يرفعها اليه رئيس مجلس الوزراء، او اللجوء الى مرجعية معينة لبت الموضوع كالمجلس النيابي”.
ويضيف الراحل الدكتور جورج سعادة: “من هنا، على رئيس الجمهورية ان لا يوافق على اية تشكيلة حكومية اذا لم يكن مطمئنا الى اعضائها، او على الاقل الى اكثر من ثلث الاعضاء، ليؤمن الى جانبه ما تعارفنا على تسميته بالثلث المعطل، الذي له اكثر من تأثير في مجريات الامور داخل مجلس الوزراء”.
وهذا الموضوع ايضا، قيل ان الرئيس الشهيد رفيق الحريري كان يتحدث عنه كلما ذكر له احد ان الطائف استهدف صلاحيات رئاسة الجمهورية لاضعافها.
لكن، في مطلق الاحوال، هذا الموضوع تجاوزه الرئيس ميشال عون منذ المرحلة الاولى للمشاورات، على اعتبار ان الحكومة المنتظرة هي حكومة اختصاصيين، وبالتالي لا حصص فيها ولا اثلاث. لكن، على رغم اعلان رئاسة الجمهورية في اكثر من بيان رسمي انها لا تطالب بالثلث المعطل، ظل الموضوع تهمة سياسية تلاحق رئيس الدولة على السنة معرقلي التشكيل، في معرض امعانهم في تخطي الدستور وضرب الميثاق عبر الامتناع عن الاتفاق مع رئيس البلاد على تشكيلة تعتمد معايير واحدة في التعاطي مع اللبنانيين.
غير ان ما فات كثيرين خلال تلك المرحلة، التي صار فيها العنوان الاعلامي والسياسي لدى الخصوم، اتهام فريق رئيس الجمهورية بمحاولة الحصول على الثلث المعطل… ما فات كثيرين ان الفريق المقابل كان يعمل بشكل مستتر للحصول، لا على ثلث معطل فقط، بل على نصف مسيطر، اي على النصف زائدا واحدا من عدد الوزراء، ما يجعله عمليا قادرا على التحكم بقرارات حكومية كثيرة، ويضع التدقيق الجنائي وسائر الاصلاحات، في مهب الريح.
وهذا هو تماما ما تحدث عنه بيان المجلس السياسي للتيار الوطني الحر اليوم، حيث اعلن بوضوح تام ان “التيار يرفض إعطاء الرئيس المكلّف وفريقه النصف زائداً واحداً في الحكومة لأنه سيستعمله لمنع الإصلاح وتعطيل التدقيق الجنائي وفرملة كل محاولات محاربة الفساد”.
وعلى هذه النقطة بالذات، سارع المكتب السياسي لتيار المستقبل الى الرد ببيان لا يخلو من الشخصانية بالقول:
ان رئيس التيار الوطني الحر “يتعمد اللعب على حافة التحريض الطائفي، ويقفز من معيار الى معيار ليضمن الوصول الى الثلث المعطل، ويخترع للرأي العام اللبناني حجة جديدة و”بعبعاً” سياسياً اسمه النصف زائد واحد للرئيس المكلف”…علما ان “البعبع” الذي يمنع التأليف وفق اوساط التيار الوطني الحر يبقى التدقيق الجنائي الذي يخشاه افرقاء معروفون ويعطلون التأليف منذ خمسة اشهر، على امل نيل اكثرية وزارية قادرة على الاطاحة به.
في كل الاحوال، في انتظار بلورة المشهد الحكومي في ضوء ما يحكى عن مبادرات، لا يزال بعض من كان يعول عليهم للتغيير يخطئون في العنوان، فالتظاهرات، كبيرة كانت ام صغيرة، لا ينبغي ان توجه ضد قصر بعبدا اذا كان هدف القائمين بها هو فعلا الاصلاح. فقصر بعبدا بمن فيه اليوم هو رأس حربة الاصلاح. ليس منذ اليوم، بل منذ عقود، منذ زمن المنفى، حيث كان يطالب مذذاك بالتدقيق وبالحسابات، على ما هو موثق عشرات المرات بالصوت والصورة. اما عناوين الفساد والفاسدين، فيعرفها جيدا جميع اللبنانيين… ويكفي اضاعة للوقت.


WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com