اشارت نائبة المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان ومنسقة الشؤون الإنسانية فيه نجاة رشدي في مقابلة مع صحيفة “العربي الجديد” الى خطورة الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي يمر فيها لبنان في ظل استمرار جائحة كورونا وانسداد الأفق القريب لأي حل سياسي مستدام.

واكدت أن الأمم المتحدة تعمل حالياً في إطار مرحلة التعافي والتعافي المبكر، لكنها حذرت من أن الجهات المانحة لن تقدم، في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، تمويلاً من دون إصلاحات.
وفي ردها على سؤال قالت رشدي : “ما زالت هناك حاجة كبيرة للحصول على التمويل المستدام لضمان استمرارية الدعم الإنساني المنسق. لأنه، مع الأسف، أثر انفجار مرفأ بيروت لم يكن فقط على صعيد بيروت، بل على صعيد البلد بشكل كامل. في أعقاب الانفجار قمنا على الفور بإنشاء آلية تنسيق مرنة لتسيير عملية تقييم الاحتياجات بصورة مشتركة مع الجمعيات المحلية، وفي الكثير من الحالات مع الجيش اللبناني، وبعض أعضاء الحكومة، وتسهيل وضع استراتيجيات موحدة من أجل تسهيل عملية تقديم المساعدة الإنسانية الطارئة”.
وتابعت “أنا أركز على الطارئة، لأن هذه هي المساعدات التي قمنا بتغطيتها. أطلقنا استجابة ثانية مكونة من ثلاث مراحل، أولها تقديم المساعدة الإنسانية الفورية، ثم برنامج تعافي وإعادة الإعمار، وصولاً إلى تأمين التعافي طويل المد.”
واضافت رشدي : “أطلقنا نداء الاستجابة العاجل، في آب من العام الماضي، بهدف دعم استجابة مشتركة لاحتياجات الناس المتضرّرين من الانفجار، وتأمين الحاجة الملحّة لهم، وتقديم المساعدات الإنسانية الضرورية، واستهدفنا 300 ألف شخص. كما قمنا بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي ومجموعة البنك الدولي بإعداد إطار الإصلاح والتعافي وإعادة الإعمار، الذي أطلق في مؤتمر صحافي في الرابع من كانون الأول الماضي في بيروت، وهو يرتكز على مبدأ الإنسان أولاً، والمتضررين أولاً، والأكثر حاجة من اللبنانيين وغير اللبنانيين. كما أنه نهج يربط ما بين المساعدة الإنسانية والتنمية والسلام، وسيوجه هذا الإطار عملنا خلال الأشهر الـ18 المقبلة. وكان هناك إجماع حول هذا الإطار في الملتقى العالمي الذي عقد في ديسمبر بحضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.”

وقالت : “نحن الآن في صدد إنشاء آلية لتنسيق عملية تنفيذ هذه الخطة بمشاركة المجتمع المدني، لمراقبة عمليات التنفيذ وضمان نجاعتها، وأن يكون التنسيق بين الحكومة والمجتمع الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي والمجتمع المدني على حد سواء. وفي حين أن البرامج المُخطَّط لها ضمن إطار الإصلاح، والتعافي وإعادة الإعمار سيبدأ تنفيذها خلال هذا العام، إلا أننا استطعنا من خلال نداء الاستغاثة العاجل، الذي تمت مراجعته بطلب مالي مُحدث بقيمة 196.6 مليون دولار أميركي، ضمان الحماية الضرورية والاحتياجات الإنسانية الملحّة للفئات الأكثر ضعفاً من بين المتضررين من الانفجار بحلول نهاية العام 2020. أود الإشارة إلى أننا بالتعاون مع شركائنا نصدر تقارير منتظمة عن الحالة، كما نعتمد آليات رصد، بما فيها رصد الأموال التي يتم طرحها، حرصاً على إدارة هذه الأزمة بصورة فاعلة وشفافة.”

وفي سياق متصل قالت رشدي “شجعنا الجمعيات التي لا تعمل مع الأمم المتحدة، كما في تنسيقنا مع الجيش اللبناني والحكومة اللبنانية أن يكون هناك تبادل للمعلومات، كي لا يتم تقديم المساعدات لنفس العائلة مرتين. طبعاً هذا التبادل مع الحفاظ على خصوصية تلك العائلات، ومن أجل أن تصل لشريحة أوسع من المحتاجين.”
واضافـت : “أبلغنا الحكومة عن معاييرنا، والتي تهدف إلى مساعدة الأكثر احتياجاً، ولذلك هي مساعدات لإنقاذ الحياة. في ما يخص أموال المساعدات الأخرى، هناك الكثير من الأموال التي تصل مباشرة، ولا علاقة أو مراقبة لنا عليها، وهي تصل إما من المغتربين أو الجهات المانحة. وطبعاً هناك مساعدة عبر الحكومة في ما يخص التعاون الثلاثي، وهو من مجموعة من الدول العربية وغير العربية.”

وتطرقت رشدي الى موضوع الاصلاحات في لبنان وربطها بتقديم المساعدات فقالت: “ان يكون هناك اتفاق حول قانون ما، هذا شيء، والتصويت حوله شيء آخر، ثم تطبيقه شيء ثانٍ. ولكن دعينا نذكر بالصورة العامة، وهي أن الإصلاحات لم تأت بعد الانفجار. ما جاء بعد الانفجار هو الربط بين الدعم من الدول المانحة وتلك الإصلاحات. كان قد مر أكثر من 11 شهراً على خروج اللبنانيين إلى الشوارع للتعبير عن تطلعاتهم المشروعة لمستقبل أفضل لهم ولأولادهم. مع ذلك، وقبل الانفجار، لم يكن هناك أي تحرك حاسم لتنفيذ الإصلاحات الضرورية التي طال انتظارها، والتي هي مهمة وضرورية للبلد.”
واضافت: “لهذا السبب نحن كأمم متحدة دائماً كنا ندعو جميع القوى السياسية اللبنانية إلى تجنب الفراغ الحكومي، ووضع مصلحة الشعب على رأس سلم أولوياتها. لا شك أن لبنان يحتاج لتشكيل سريع لحكومة تتمتع بالدعم السياسي والقانوني، حكومة قادرة على تنفيذ الإصلاح، وجزء منه القوانين، ولكن جزءا آخر كبيرا هو الإرادة السياسية. أي أن تكون قادرة على تنفيذ الإصلاحات الرئيسية والتغييرات الأساسية المنتظرة التي تلبي تطلعات اللبنانيين، بما فيها دعوات للمساءلة والشفافية ووضع حد للفساد وسوء الإدارة. للعمل في هذا المجال من الضروري أن يتعاون الجميع، لأن تحقيق الإصلاحات المرجو، وإنهاء الفساد، ومساعدة البلاد على التعافي والنهوض من الظروف الصعبة، يحتاج مجهوداً وإرادة سياسية من قبل الجميع”.
ولفتت رشدي الى ان “هذا مهم جداً لاستعادة ثقة الناس بالدولة والحكومة والمؤسسات العامة من جهة، واستعادة ثقة المجتمع الدولي بها من جهة أخرى.
ولكن بغية تحقيق إصلاحات هيكلية لا بد من تشكيل الحكومة أولاً. ولا بد من ذكر هذا، لأن الإصلاحات هي بنهاية المطاف قرار سياسي كذلك. ولكن في نفس الوقت كأمم متحدة لا يمكننا الانتظار. نحن نعمل على ضمان حماية الفئات الضعيفة من اللبنانيين والنازحين (اللاجئين السوريين)، من خلال تأمين المساعدة الإنسانية الملحة والمنقذة للحياة. فنحن نأخذ على عاتقنا مسؤولية ضمان تأمين الدعم المقدم من المجتمع الدولي في ظل تزايد الفقر في لبنان، كما تعلمين فأكثر من 50 في المائة من اللبنانيين يعيشون في فقر. ومن الضروري دعم الشعب اللبناني وعدم معاقبته على أخطاء السياسيين ونظام الحكم. من الضروري طبعاً أن يتم الحديث والعمل على الخط السياسي، ولكن في نفس الوقت لا يمكننا أن نتخلى عن الناس المحتاجة للمساعدة. ومن الضروري التوضيح هنا أن المساعدة الإنسانية التي نقدمها تتعلق بتزويد الأشخاص الأكثر حاجة، لأنه لو أردنا تغطية كل الاحتياجات الموجودة في البلد فهذا سيحتاج إلى أموال طائلة وإصلاحات، وحكومة مدعومة من الجميع، وأن يعود المجتمع الدولي لنفس مستوى الدعم”.
وعن التحديات التي تواجه الامم المتحدة في ما يخص تقديم المساعدات الإنسانية للاجئين السوريين، قالت رشدي ان لبنان يستضيف أكبر نسبة من اللاجئين السوريين (مقارنة بتعداد السكان)، نحو مليون ونصف مليون لاجئ سوري وما يفوق الـ 200 ألف لاجئ فلسطيني.
واضافت: “هذا طبعاً يزيد من الاحتياجات للمساعدات الإنسانية في لبنان. أضف إلى كل هذا، ما زال لبنان يعاني من أسوأ الأزمات الاقتصادية والمادية في ظل جمود سياسي مستمر وغياب الحكومة، مع الأسف، وهذا يؤثر على قدرتنا على تقديم المساعدات والتحرك بشكل فعال، وخاصة إذا كان هناك حاجة لقرار سياسي. نتمنى أن يكون خفض الدعم الدولي مؤقتا، ولكن نحتاج للجهات المانحة والدعم الدولي. وعلينا أن نتذكر أن الدعم الدولي لوحده لن يحل المشكلة، لأن هناك معاناة شديدة للشرائح الأكثر ضعفاً. ويبقى الحل الحقيقي والمستدام هو تطبيق إصلاحات هيكلية ومشروعة.”

إشترك بنشرة أخبار ال OTV
لتصلك آخر الأخبار أولاً

    WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com